يحدث وأنا أخط هذا المقال، أن التأم شمل البرلمان العربي، الذي انعقد جمعه في سياق الرد على قرار الإدانة الذي أصدره اتحاد عواصم القارة العجوز، ضد الرباط عاصمة المغرب، وهو ما سنطلق عليه في هذا المقال اتحاد الشر ضد رباط الخير، وسنحاول إثبات هذا الطرح وهذه المقولة للقارئ، وذلك بالنظر إلى سبب اندلاع الأزمة، وتسلسل الوقائع وتحليل المواقف، كما أن السياق العام سيجعلنا نفهم أكثر، كيف تتخذ مثل هذه القرارات من طرف مؤسسة لها وزنها كالاتحاد الأوروبي، وسننفذ إلى ذهنية المتحكمين في دواليبه، للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء التنكر لحليف إستراتيجي كالمغرب، وإصدار قرار الإدانة في حقه.

بدأت هذه الأزمة بعد أن قبلت السلطات الإسبانية بالتنسيق مع نظيرتها الجزائرية، وباستعمال وثائق وجوازات مزورة، استضافة مجرم حرب، ومعاد بكفالة الجارة الجزائر لوحدتنا الترابية، القضية الوطنية الأولى للمغرب شعبًا وملكًا، ويتعلق الأمر بزعيم ما يسمونه جبهة البوليزاريو، وذلك عن طريق استعمال اسم مستعار (بنبطوش)، فكيف لدولة تحترم نفسها أن تتورط في التزوير وإخفاء هوية شخص مطلوب لدى القضاء الإسباني، في قضايا عنف واغتصاب، دون أن تضع اعتبارًا لالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان ولا للروابط والعلاقات التي تجمعها بالمغرب؟ كيف لإسبانيا أن تقدم على مثل هذا الفعل دون أن يرف لها جفن، وهي تعلم أن ما قامت به، يدخل في خانة التآمر، واللعب وراء ظهر دولة صديقة، ومن شأنه أن يهدد وشائج الثقة بين البلدين؟

لكن يقظة الأجهزة الاستخباراتية المغربية المشهود لها بالكفاءة، كشفت عن هذا المخطط، وهي نفسها الأجهزة التي طالما كانت موضع ثقة الشركاء، لإسهامها في إحباط مخططات إرهابية، كانت تستهدف أمن وسلامة الأبرياء في الديار الأوروبية وغيرها، وذلك في إطار التزام المغرب بالاتفاقيات التي تنص على التعاون التستخباراتي والتنسيق الأمني في مكافحة الإرهاب، إلى جانب تهديدات أخرى تتعلق بالهجرة والجريمة المنظمة وتجارة البشر والمخدرات.

بعد أن انفضح هذا الأمر، بدأت تلوح في الأفق بوادر حرب دبلوماسية بين البلدين، وعبر مختلف الفرقاء الإسبان، من مؤسسات حكومية، وأحزاب، وشخصيات عامة عن مواقف مخيبة للآمال، حيث تبين بما لا يدع مجالًا للشك، أن قواعد ومنطلقات الشراكة والتحالف عند الإسبان والأوروبيين، لا تعد نفسها عندنا في المغرب، وقد خضعت علاقات الشراكة هذه، للاختبار عبر عدة محطات وأزمات، آخرها كان ألمانيا، والنتيجة أن نبرة الاستعلاء، ولغة الابتزاز ما زالت سائدة، وأن الذهنية الاستعمارية، ما زالت تسيطر على سلوك دول الاتحاد في تعاملها مع المغرب، الذي جاء رده في هذا الإطار، واضحًا وثابتًا، حيث أكدت الخارجية المغربية من خلال بلاغاتها، أن الأستاذية أصبحت منطقًا متجاوزًا وغير مقبول، كما أن منهج العقوبة والمكافأة لا يشكل حافزًا يدفع بالشراكة إلى الأمام.

قد صبر المغرب كثيرًا على هذا المنطق، وطالما تحلى بالحلم وظبط النفس، وما فتئ يعطي إشارات عدة على مستوى أعلى سلطة، منذ القمة التي جمعت المغرب بقادة دول الخليج، حيث كان العاهل المغربي، الملك محمد بن الحسن، سليل الأشراف العلويين، الذين يمتد نسبهم إلى آل البيت، أعلن صراحة وبكل وضوح، أن المغرب ليس محمية لأحد، وأنه حر في تنويع شركائه، كما أكد سيادة الدولة المغربية على كل مجالها الجغرافي، وحقها المطلق في تقرير توجهاتها السياسية والاقتصادية، لتتوالى بعد هذه القمة مناسبات عدة، رفض فيها المغرب حشر الأنوف في شؤونه الداخلية، أو تلقي التعليمات من أحد، كما استنكر ما بات يعرف بمنطق الأستاذ والتلميذ، أو السيد والعبد، ودعا إلى إدارة العلاقات بمنطق رابح رابح، ونهج شراكة بناءة تنظر إلى المغرب بصفته ندًّا، وتحقق المصلحة للجميع، بدلًا من علاقة التبعية والاستغلال، والسعي لتحقيق مصالح طرف على حساب مصالح الطرف الآخر.

منذ القمة الخليجية إلى تفشي جائحة كورونا، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، ووقعت تحولات عالمية كثيرة، وتغيرت التوازنات دوليًّا وإقليميًّا، وبرزت قوى وانحسرت أخرى، وبات خصوم الأمس أصدقاء اليوم، (السعودية، قطر، تركيا، مصر)، كل هذه التموجات تلقي بظلالها على رباط الخير، الذي يؤكد موقفًا ثابتًّا لا يتزحزح، والقاضي بأن المغرب ما زال وسيظل واحة للسلم والتعايش والاستقرار، وراعيًا من خلال إمارة المؤمنين لقيم التسامح والانفتاح المستوحاة من ديننا الحنيف، وأنه يعمل اليوم كالأمس على صيانة وحدته، وهويته المغاربية ذات الروافد العربية والأمازيغية والصحراوية والأندلسية، والتي تشكل فسيفساء حضاريًّا قل نظيره، كما يعمل المغرب من خلال مؤسساته وعلى رأسها الملكية، على تأكيد بعده القاري، والذود عن مصالح شعبه، داخل الوطن وخارجه، ويؤكد دومًا الوفاء بالتزاماته تجاه الإخوة الأفارقة، والدفع باتجاه حل سلمي فيما يخص القضايا العالقة، كالملف الليبي وقضية القدس الشريف، وذلك في انسجام مع الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

كما يترفع المغرب بقيادة الملك، عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولا يقبل استضافة أي من انفصاليي كاطلونيا أو القبايل، ويستنكر أطروحة الانفصال داخل ترابه وخارجه، وخير مثال دعم وحدة تركيا ضد دعوات الانفصال الكردية، منطلقًا من أن أطروحة الانفصال لا تخدم سوى أجندة التقسيم والتجزيء، أضف إلى ذلك، استنكاره للمؤامرات والدسائس التي تحاك ضد الأنظمة، والتي تهدد استقرار وأمن الشعوب، وهو الموقف الذي سارع إلى إعلانه بوضوح، في محاولة الإنقلاب التي عاشتها تركيا، أو الإرهاصات التي تصاعدت مؤخرًا من الأردن الشقيق. هذه المبادرات ليست مجاملات لهذه الدول، وإنما تجسيد لمبادئ وقناعات، ومثل يتبناها مغرب يحترم نفسه، ويعرف حدود ما له وما عليه. لذا على الجيران و الحلفاء، أن يفهموا جيدًا هذا الموقف، وأجدى لهم أن يهتموا بشؤونهم الداخلية، ويكفوا عن تحرشاتهم الصبيانية، ويتوقفوا عن تقديم الدروس، مع التفكير في تغيير العقلية البائدة، والمنطق القديم الذي يحتكمون إليه.

كل هذا يجعل من رباطنا رباط خير، فيا ترى ما الذي يجعل من تكتلهم اتحاد شر؟ إذا طرحنا سؤالنا حول خلفية قرار الإدانة الذي وقعه الاتحاد الأوروبي ضد المغرب، وكيف استجاب برلمانه لمساعي إسبانيا في أوروبا الأزمة، وإقحام دول الاتحاد وتجييشهم ضد الرباط، رغم مجانبة مدريد للصواب، ومسؤوليتها الثابتة وخطأها الجسيم؟ إن الاتحاد الأوروبي في جوهره تكتل اقتصادي بواجهة سياسية، ومن يقفون وراء قراراته في المطابخ البعيدة، يضعون مصالحهم فوق كل اعتبار، أهمها الحفاظ على تبعية القرارات الاقتصادية لدول أفريقيا والمغرب الكبير لمصالح الاتحاد، إن هؤلاء لا ينظرون برضا وارتياح إلى دولة كالمغرب، تسير بخطى ثابتة نحو منافسة كبريات الشركات العالمية في صناعة السيارات والطيران، والسعي لاستبدال رقم من الواردات بمنتجات محلية، تحمل علامة صنع في المغرب.

إن اكتساب دول أفريقيا لسلوك الإنتاج، وعقلية التصنيع والابتكار، سيفقد القوى الاقتصادية في القارة العجوز، أسواقًا مهمة تستوعب شركاتهم ومنتجاتهم، ولا يسعدهم بأي حال خروج أي دولة أفريقية من جلباب التبعية وسيرها نحو الانعتاق، ولن يسمحوا بسهولة بأن يصبح المغرب تجربة ملهمة، أو نموذجًا تتطلع إليه دول أفريقية مستضعفة، قد ترى في المغرب مثالًا، وقائدًا نحو التحرر الكامل والانعتاق. وبالتالي فسيظلون يشهرون برلمانهم واتحادهم فزاعة يحاولون بها إخافة كل من شب عن الطوق، حتى يتمكنوا من مواصلة الاستغلال والاستنزاف، وتحقيق رفاهية مجتمعاتهم على حساب مآسي ومجاعات القارة السمراء، وهذا بالتحديد سبب تسمية من خططوا لقرار الإدانة باتحاد الشر، ورباط المقاومة والصمود برباط الخير.

إن اتحاد الشر ضد رباط الخير، له بعد أفقي وآخر عمودي، فكما ينشأ بين دول الجوار بعضها وبعض، قد ينشأ أيضًا على مستوى الدولة، داخل الجهة أو الإقليم أو الجماعة، خصوصًا مع اقتراب موعد الاستحقاقات، لانتخاب نواب الأمة من برلمانيين، ورؤساء الجهات والأقاليم والجماعات، حيث تدور حرب ضروس تستخدم فيها جميع الوسائل، فيتكون اتحاد الشر من ذوي المصالح الخاصة، الذين يحاولون تغليب سلطة المال والأشخاص، على سلطة القانون والمؤسسات، ويركزون كل جهودهم لمحاولة إحباط وإقبار كل دعوة للإصلاح. وقد سبق للملك، الساهر على صيانة الخيار الديمقراطي، أن أعطى التوجيهات، التي تؤكد وجوب مشاركة المواطن، مشاركة واعية، وترسيخ مواطنة سليمة تحد من سطوة الأشخاص، مقابل الارتقاء بدور المؤسسات. وعلى المواطن بدوره أن يتعبأ ضد اتحاد الشر الذي يعاكس الإرادة الملكية، ويقاوم كل مساعي الإصلاح.

قد يلتبس الأمر على المواطن، داخل المغرب وخارجه، فلا يفرق بين الصالح والطالح، ولا يهتدي إلى التي هي أقوم، فما عليه سوى اتباع سهام الباطل لترشده إلى مواطن الحق، وتدله على أهل الخير، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. كما على الماسكين بزمام السلط أن يستكملوا سعيهم لتقوية هذا الرباط داخليًّا كسعيهم لتقويته خارجيًّا، فالسفينة قد تصمد أمام الأمواج العاتية، لكنها حتمًا ستغرق إذا نجح بعض الركاب في خرقها وإحداث ثقوب بها، وقديمًا قالت العرب، من بيته يؤتى الحذر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد