تؤمن الدول الخليجية الداعمة للانقلاب، أن استقرار أحوال البلاد والعباد يتأتى أولًا من خلال إشباع بطون الشعوب قبل أي إصلاح آخر، فمن وجهة نظرهم، حين تشبع البطون ستستريح الأبدان وتهدأ العقول إلى الأبد، وحينها لن تطلب مساحة للحريات تعيش فيها، أو تنادي بضرورة وجود عدالة اجتماعية يتم من خلالها توزيع عادل للثروات، أو مشاركة في إدارة شئون بلادهم، لأن هذه الشعوب في عيون حكامهم كالتراث الذي يورث كابرًا عن كابر.

وقد تكون هذه الدول لديها من المبررات ما يدفعها للإيمان والعمل في هذا النطاق الضيق، فبالعودة إلى استقراء تاريخ، وطبيعة بيئتهم، ونمط الحياة السائدة لديهم، سنجد أن الثقافة السائدة تتلخص في جملة يحفظها الأبناء عن الأبناء والأجداد: «أطعمني واسقني ودع الملك للمالك»!

وحين نتابع فلسفة الدول الخليجية التي أيدت وتساند الانقلاب في مصر، سنجدهم يطبقون «حرفيًّا» فلسفة ملء البطون «إصلاح الاقتصاد»، دون أدنى اعتبار لأي مسار آخر قد يكون أكثر أولوية وأهمية من الاهتمام بسياسة ملء البطون، وهي سياسة أثبتت فشلها الذريع.
وأكبر دليل على فشل هذه السياسة أنه إذا ما اطلعنا على كشف حساب المساعدات التي حصلت عليها مصر منذ الانقلاب إلى يومنا هذا، سنجد أنه الأكبر والأضخم في تاريخ مصر على مر التاريخ منذ بدء ظهور النفط في هذه المنطقة من الوطن العربي في منتصف القرن الماضي، وما زال نهر المساعدات لم يتوقف لأن الكفلاء الخليجيين تعاهدوا على الوقوف إلى جانب النظام الجديد، مهما كانت التكلفة التي سيتحملونها، وبالتالي من المنتظر أن يحصل النظام على المزيد من المساعدات الاقتصادية.

ومع استقراء الوضع الاقتصادي المتدهور في مصر سيتأكد للجميع من مدى فشل هذه النظرية، وأنها لم تؤتِ أكلها المنتظرة منها، فلا هي ساهمت في إصلاح اقتصادي، ولا استقرار سياسي يمكن أن يكون ركيزةً للبناء عليه لمستقبل مستقر لهذا البلد، بل جاءت بعكس ما كانوا يتوقعون، حيث تدهور حال الاقتصاد بشكل كبير، وتراجع مستوى الدخل، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، وقل الناتج القومي، وارتفع حجم القروض الداخلية والخارجية، ناهيك عن استمرار الوضع السياسي المتأزم والقابل للانفجار في لحظة؛ نتيجة انسداد الأفق نحو مستقبل مستقر في ظل سياسات قمعية باطشة.

الدول الراعية للانقلاب كانت تظن أن الإصلاح الاقتصادي سيعجل باستقرار حال البلاد لصالح النظام الجديد، ولم يتم النظر نهائيًّا في جوانب الإصلاح الأخرى، والتي يعتبرونها هامشية «الإصلاح السياسي والاجتماعي» وبالتالي لم يطالبوا النظام بالمضي فيها لتكتمل منظومة الإصلاح، وتصبح مساعاداتهم الاقتصادية ذات جدوى، لكن للأسف فاقد الشيء لا يعطيه.
ولأنهم لم يقرؤوا عجلة التاريخ ولم ينتبهوا لأولويات الشعب المصري، وأن ما يحتاجه يختلف كثيرًا عما تبحث عنه شعوب منطقتهم بطبيعة اختلاف التراث الثقافي والسياسي، كما أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة أهداف شعارات ثورة يناير المجيدة «عيش- حرية- عدالة اجتماعية»، وأنها لم تكن ثورة جياع، وإنما كانت ثورة تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية بعيدًا عن فلسفة «أطعمني واسقني ودع الملك للمالك»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد