أجمل كتاب قرأته  هو كتاب الأب الغني والأب الفقير لروبرت كايوساكي؛ حيث يروي الكاتب قصة طفولته، الموزعة بين نـصائح أبيـه (الأستاذ الجامعي) الذي يرمز له في الكتاب بلقب الأب الفقير، وبين نصائح والد صديقه مايك، رجل الأعمـال العـصامي الذي يرمز له في الكتاب بلقب الأب الغني.  يسرد الكتاب طفولة الكاتب وهو يتعلم كيف يحصل على المال ويكسبه، مع مقارنة دائمة ما بين وضع والـده الأكاديمي الجامعي، وبين والد صديقه صاحب العمل الخاص. ويعرض الكاتب سؤالًا مهمًا: هـل تعـد المدارس طلابها للخروج إلى العالم الواقعي والنجاح فيه؟ هل الحفظ والمذاكرة والشهادة والوظيفة المرموقة هي السبيل؟

كما يقول الكاتب أيضًا لا تعمل من أجل المال وجمعه، بل اجعل المال يعمل من أجلك. والشيء نفسه ينطبق على الحكومة، فالحكومة تجعل من الشعب إما اتكاليًا ينتظر التوظيف ويكون جل همه راتبه وإن لم يكفه فسيكون جل تفكيره كيفية حصوله على رشوة فيدخل بها دائرة الفساد، كما هو الحال في العراق وإقليم كوردستان وفي أغلب دول الخليج والدول المنتجة للنفط، أو العكس فإنها تخلق ثقافة أخرى فتجعل من الشعب شعبًا منتجًا مبدعًا وبيئة لخلق الأعمال وتطويرها، وبذلك لن يعتمد الشعب على الحكومة اعتمادًا مباشرًا. كما هو الحال في أمريكا وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا ودول أخرى.

إذن الحكومة هي المسئولة عن اتجاه الشعب وثقافته، فحتى لو استبدل الشعب الأمريكي بالشعب العراقي لأصبح الشعب الأمريكي في العراق شعبًا اتكاليًا ومتأخرًا وغير منتج وأصبح الشعب العراقي في أمريكا شعبًا مبدعًا وخلاقـًا ومعتمدًا على ذاته.

 

 

المشكلة

 
1-    الوظيفة حل قصير الأمد لمشكلة مزمنة طويلة الأمد:

إن ما قامت به الحكومة وما تقوم به من توظيف أفواج من الشعب في الدوائر الحكومة ما هو إلا كارثة حقيقية بحقها وبحق الشعب ويعد حلاً قصيرًا كما يحصل عند تخدير شخص عنده مرض بدلاً من علاجه وكلنا يعرف المصير الذي سيؤول إليه المريض بعد فترة. إن تركيز الحكومة على المصالح الآنية والضيقة أو على المصالح الحزبية، وتوظيف المواطنين بشكل عشوائي وبأعداد كبيرة لا سيما أن الغالبية العظمى يشكلون موارد بشرية منخفضة المهارات، فتنتج النقاط التالية:

أ‌-    خلق بطالة مقنعة.

ب‌-    تضخم رهيب في الاقتصاد.

ج- عبء كبير جدًا على الحكومة.

د- استنزاف خطير جدًا في ميزانية الدولة وبالتالي يؤدي إلي شلل تام وإفلاس للحكومة، لاسيما عندما ينخفض سعر النفط أو عندما ينخفض إنتاجه، وذلك بسبب اعتماد الحكومة على النفط بشكل كامل.

هـ- يصبح عمل الحكومة غير فعال بالمرة، لأن زيادة كادر واحد في العمل عن الحاجة كنقصانه، فكيف بزيادة مئات آلاف من الموظفين، (عدد الموظفين في الحكومة إقليم كوردستان هي تقريبًا 1،400،000 موظف بينما الحاجة الفعلية في أقصى حد هو تقريبًا 600،000 موظف).

و- توظيف الحكومة لمواطنين بهذا الشكل وبهذه الأعداد ما هو إلا خطأ فادح بحق الشعب ولا سيما الأجيال القادمة وبمثابة مخدر للشعب يتم إسكاتهم به ويشعرون بنشوته مؤقتًا، لذا يجب توعية الشعب بذلك بعدم التكالب على الوظائف الحكومية لأن فيها ضياع مستقبل أولادهم على الأقل.

2–   إن الحكومة العراقية:  وحكومة إقليم كوردستان تفتقدان الإرادة والشجاعة السياسية لتحقيق تنمية حقيقية وفق أسس صحيحة والاعتماد على القطاع الخاص وعدم جعل النفط هو المحرك الوحيد للاقتصاد، وكذلك عدم جعل المواطنين يعتمدون على الحكومة بشكل مطلق.

3 – يتميز نظام الحكم في العراق: وإقليم كوردستان بالبيروقراطية في إدارة الحكم، وهو نظام يعد أساسًا لتأخر الدولة في التنمية المستدامة.

4- عدم اهتمام الحكومة بالقطاع الخاص: تنميته وحمايته وعدم تهيئة بيئة لخلق الأعمال والاستثمار بشكل حقيقي.

 

الحل

 

1-    على الحكومة تهيئة فرص عمل من خلال القطاع الخاص ومن خلال تهيئة مناخ الاستثمار الحقيقي وعدم حصره على خدمة من في سدة الحكم وصياغته من أجل مصلحة تلك الفئة، فملاحظ أن آلية تطبيق قوانين الاستثمار مجرد تعبير أو تطبيق عن رغبات ومصالح تلك الفئات الحاكمة أكثر منها تطبيقًا وتعبيرًا عن مصالح الشعب.

2-    تشجيع الشباب حديثي التخرج إلى المبادرة بإنشاء شركاتهم ومشاريعهم الخاصة. وعلى الحكومة أن تقوم بخلق مناخ يهيئ شعبًا وشبابًا تنشئة تقوم على أكتافهم التنمية الحقة بدلاً من خلق أشخاص عاديين كل همهم الحصول على وظيفة حكومية ومن صفاتهم العجز عن المنافسة بالاعتماد على الراتب الشهري الحكومي
3-    والحكومة تعتمد على مورد النفط المتقلب أو الناضب.

4-    على الحكومة إنشاء صندوق خاص أو بنك لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة على أن يكون استرداد القرض على فترة طويلة وذات فائدة قليلة أو شبه معدومة.

5-    على الحكومة من خلال البنك المركزي خفض نسبة الفائدة لكي تحفز أصحاب الشركات والمشاريع والمستثمرين من أخذ القروض من البنوك حتى يكون القرض مجديًا ومقبولاً من حيث المخاطرة، لا سيما من قبل أصحاب الشركات والمشاريع الناشئة.

6-    إنشاء مؤسسة أو شركة خاصة حكومية تقوم بتشجيع من لديهم أفكار استثمارية وتقدم لهم دراسات جدوى، ومن ثم تقوم بجمع رأس مال لازم للمشروع من خلال مساهمين وقروض بنكية. وإعطاء نسبة لصاحب الفكرة أو أصحابها.

6- تشجيع الحكومة للمنتج الوطني وخلق أهمية شراء المنتج الوطني في عقلية المواطن وذلك من خلال:
I-    أن تكون الحكومة حازمة وبشكل قاطع على جودة المنتج المحلي (الوطني) وأيضًا المستورد. وتغير مفهوم المنتج المحلي (الوطني) هو منتج عديم الجودة.

II-    العمل على حماية المنتج المحلي من خلال فرض تعريف جمركي على المستورد وأيضًا عمل تسهيلات على إنتاجه.

III-    عمل توعية ودعاية لأهمية المنتج الوطني من خلال التلفزيون والإنترنت والقنوات الإعلامية.

7-    تسهيل عمل القطاع الخاص من خلال مؤسسة خاصة ترتبط بكل الوزارات والمؤسسات الحكومية والجهات المعنية بعمل قطاع خاص، ويشكل نافذة واحدة تتم من خلالها إتمام إجراءات ومعاملات القطاع الخاص من ناحية الرخص وإجازات الاستيراد والتصدير وإنشاء المشاريع… إلخ.

8- تأسيس صندوق لإدارة الاشتراكات والمعاشات ونهاية الخدمة للمواطنين المتقاعدين العاملين في القطاع الخاص، وأيضًا أصحاب القطاع الخاص حالها حال العاملين في الدوائر الحكومية وشبه الحكومية. إن هذا الموضوع مهم جدًا ويشكل حجر أساس لتوجه المواطنين نحو القطاع الخاص وبدونه لن تحل المشاكل.

 

 

 

 

الخلاصة:

 

 

 

 

إن القطاع الخاص المتطور (Proffesional Private sector) هو المحرك الفعلي والعمود الفقري في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في أية دولة،  لذا يجب الاهتمام به وجعله من جل اهتمامات الحكومة وأولوياتها. فالحكومة هي وحدها التي تقرر أن تكون مثل الأب الغني (الحكومة الرشيدة) أو مثل الأب الفقير.  ومن جهة أخرى على الشعب والبرلمان معرفة درجة الرشد الاقتصادي لحكومتها في إدارتها لمواردها ومحاسبتها في حال قصورها.

وأخيرًا وليس آخرًا أقول إن إدارة الدولة هي عدل وفن وعلم ورؤية وبعد نظر وإخلاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد