منذ أن خلق الله آدم وتفاوت الخلق في أرزاقهم ، ومن هذا قصة ابني آدم المشهورة في القرآن ، وفي هذا ابتلاء لمن ضيق عليه رزقه أيصبر ويحمد الله على ذلك أم يسخط ويكفر ، وكذلك ابتلاء لمن كان لديه سعة في الرزق أيشكر ربه ويؤدي حق عباده أم يكفر بربه ويقول إنما أوتيته بعلمي وقوتي وذكائي وليس لأحد فضل في هذا.

ولذلك شرع الله الزكاة والصدقة ليمثلا جانبا عمليا لشكر نعمة الله على عباده في سعة الرزق ، ولكن ليس هذا فحسب بل وضع الله شروطا وقواعد لتلك الزكاة والصدقات لتؤدي دورا آخر في المجتمع ألا وهو عدم تركز رأس المال بين يدي فئة قليلة من المجتمع أو باللفظ القرآني “كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم”

ولذلك وضع الله نصابا مفروضا للزكاة على كل من لديه مقدار معين من المال يجعله من الأغنياء وجعل الله مصارف محددة لتلك الأموال المحصلة من الأغنياء بين المحتاجين أو في المنفعة العامة.

ومع تطور شكل الدولة في الإسلام ظهرت الضرائب التي كانت تفرض بشكل محدود على بعض أصحاب الأعمال لتمويل المنافع العامة كالطرق والجيش وغيرها مع وجود الزكاة التي تجمع بواسطة الدولة أو الصدقات التي ينفقها الناس مباشرة على الفقراء والمحتاجين ولم تكن الدولة حينئذ لتتدخل في علاج شخص أو تعليمه أو إطعامه بل كانت كلها حاجات مجتمعية توفر من خلال المجتمع الصغير المتمثل في القرية أو القبيلة كل حسب قدرته ، وبقيت الزكاة والصدقة الوسيلة الأساسية لإعادة توزيع الثروة بين أفراد المجتمع للمقاربة بين قدرتهم على العيش أو العلاج أو التعليم وغيرها من الاحتياجات الإنسانية.

ثم تغير شكل النظام الحاكم كثيرا في القرون الثلاثة الأخيرة لتاخذ الدولة شكلا مغايرا يعطيها سيطرة أكبر على حياة الناس ومعيشتهم اليومية من طعام وعلاج وتعليم وانتقال وغيرها ، حتى أن بعض الأنظمة الحاكمة هي التي تتحكم في القدر الأكبر من الموارد المالية للمجتمع ويأخذ معظم أفراد المجتمع دخلهم من الدولة كطفل ينتظر المصروف من والده.

وانحصرت إعادة توزيع الثروة كأحد فروع المنافع العامة وليس كهدف مستقل بذاته كما كان من قبل ، وأصبحت الأنظمة تجبي الكميات الكبيرة من الضرائب بهدف الإنفاق على تلك المنافع ، وتفاوتت الأنظمة في نسب ضرائبها وكذلك تفاوتت في نسب نجاحها لتحقيق تلك المنافع العامة ، فمنها من استطاع ضمان الحد الأدنى من المعيشة لكل مواطنيها في مقابل نسب عالية من الضرائب التي يحصلها النظام ومنها من خلع يده من مسئوليات المجتمع في مقابل نسب اقل من الضرائب ووجه كل أموال الضرائب للانفاق العسكري أو البنية التحتية أو غيرها ، وقسم ثالث يسرق مقدرات المجتمع وموارده فلا هو  ينفق على المنافع العامة ولا يعيد توزيع الثروة بين أفراد المجتمع بل تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء اتساعا ويذهب جل ما يجبيه من الأموال للمنافع الشخصية للطبقة الحاكمة ومن حولها.

وإذا كنت ممن أنعم الله عليهم بسعة رزق وأردت أن تؤدي شكر تلك النعمة من زكاة وصدقات فستجد أن الأنظمة الحاكمة الآن (سواء كانت لمجتمعات ذات أغلبية مسلمة أو أقلية) ، ستجد أنه لا يوجد نظام حاكم يجمع أموال الزكاة والصدقات بشكل منظم لصرفها في مصارفها ، فعليك إذا أن تقوم بجهد فردي لتجد مستحقي الزكاة وتعطيهم إياها ، لكن هل بهذا العمل الفردي يتحقق المقصد والغاية التي فرض الله من أجلها الزكاة؟

لنفرض أنك أردت أن تعطي زكاتك لأفقر أهل الأرض ممن لا يجدون ما يأكلون ، فوجدت مجتمعا يعيش أقلية منه عيشة رغدة ومعظم أفراد تلك المجتمع لا يجدون قوت يومهم ، وبعد بحث واستقصاء جمعت المال منك ومن أصدقائك لتعين بعض أفراد ذلك المجتمع على الحصول على طعامهم ، فأخذت المال وذهبت هناك واشتريت الطعام وأعطيته للفقراء ظناً منك أن هذا هو المصرف الأصوب لأموال الصدقة ، لكن تعال نأخذ نظرة أخرى على ذلك المجتمع الذي تتركز رؤوس الأموال فيه بين حفنة صغيرة من أفراده الذين يستطيعون الحصول على الطعام مهما بلغ ثمنه وآخرون ليس معهم من المال ما يكفي لشراء ذلك الطعام الباهظ ، وعندما أعطيت المال لبعض الفقراء لشراء الطعام ، عندما فعلت أنت ذلك وغيرك المئات بل الآلاف للعطف على هؤلاء الفقراء لم تزد كمية الطعام في المجتمع ، كل ما حدث أنه تم ضخ المزيد من الأموال من مصدر خارجي مع وجود نفس كمية الطعام في المجتمع، ونتيجة حتمية لذلك سيرتفع ثمن الطعام أكثر ويزداد عدد الفقراء أكثر وهكذا في دائرة لا يزداد الفقير فيها إلا فقرا ولا يزداد الغني إلا غنى لنمو تجارته وكثرة الأموال مع قلة المصادر.

ما الحل إذاً؟ الحل في إعادة توزيع رؤؤس الأموال بين أفراد المجتمع إما بشكل مباشر بأن يأخذ الفقراء جزءا من أموال الأغنياء ، أو بشكل غير مباشر بزيادة موارد الفقراء لتتقلص الفجوة بينهم ، لكن تذكر أن النقود ليست مورد ، هي فقط أوراق تعطيك القوة لشراء بعض الموارد وتتغير تلك القوة بناءا على توفر الموارد من عدمه ، الحل إذا يكون بتمكين الفقير من الموارد ليس بإعطائه المال.

ولذلك نجد الحكمة من الأمر الإلهي بأن تخرج الزكاة من أصل رأس المال ، فمن كان ماله ذهبا أخرج زكاته ذهبا ومن كان ماله نعما أخرج زكاته نعما ومن كان ماله زرعا أخرج زكاته زرعا وهكذا ، أيضا كي لا يكون أحد أنواع المال دولة بين بعض أفراد المجتمع دونا عن البعض الآخر ، تخيل معي مجتمعا حيث يملك القمح (أو أي سلعة أخرى كحديد التسليح مثلا) فيه أفرادا قلائل يحتكرون كل القمح في ذلك المجتمع ، وعندما أرادوا أن يخرجوا الزكاة عن أموالهم (القمح في هذه الحالة) أخرجوها نقودا بدلا من القمح ، هل سيأكل الفقراء النقود؟ بالطبع لا ، الفقراء يحتاجون إلى القمح ليأكلوا ، ماذا لو رفض هؤلاء التجار بيع القمح الذي لديهم ، سيموت الفقراء جوعا.

الخلاصة إذا أردنا نحقق الغاية القصوى من آداء الزكاة والصدقة علينا أن نزيد موارد الفقراء في المجتمع إما بأن ندخل تلك الموارد من مجتمعات أخرى غنية أو بأن نعطي الفقراء الأدوات التي تمكنهم من إنتاج تلك الموارد ، فإذا كانت مشكلة الفقراء هي عدم الحصول على الغذاء فإما أن نحضر الغذاء لهم من خارج المجتمع باستيراده أو نمكنهم من أدوات إنتاج الغذاء (نشتري لهم مزرعة مثلا) ، وإذا كانت مشكلة الفقراء هي عدم الحصول على العلاج فبدلا من أن نعطيهم المال للحصول على أماكن العلاج أو شراء الأدوية المحدودة ، بدلا من ذلك نجمع المال اللازم لنبني مستشفى جديدا أو مصنع دواء أو غيرها.

لابد أن يبادر بعض أفراد المجتمع (كل مجتمع) لدراسة احتياجات الفقراء التي لا توفرها الدولة ويبحث عن الحل الذي يوفر تلك الاحتياجات من غير أن تزداد معدلات التضخم ويزداد عدد الفقراء بدلا من أن ينقص وكي لا يكون الطعام أو العلاج أو التعليم أو غيرها دولة بين الأغنياء منا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد