اعتدنا عند سماع اسم أي صحابي أن نسارع بإلحاق الترضي باسمه؛ فنقول «رضي الله عنه»، وقد ساهم رؤوس الجماعة المسماة بالسلفية في ترسيخ هذا السلوك لدينا بحيث أفهموا جموع أهل السُنة أن هذا كان فعل سلف الأمة الأوائل، بينما يلاحظ كل من يقرأ أمهات الكتب أن السلف لم يتعاملوا مع الترضي بوصفه لقبًا يُلصق باسم كل صحابي مثلما يفعل متأسلفة عصرنا، فحتى غير المنافقين من عامة من أسلم بعد الحديبية ممن لم يشملهم بلاغ معين من الله ورسوله لنا برضاه عنهم ‏لم يترض السلف عليهم.‏

فكأنه لم يكف أن ألزمونا بذلك التعريف اللغوي الواسع للصُحبة الذي ضمّوا فيه كل من أسلم بعد الحديبية، وكل من رأى الرسول ولو ساعة، متجاهلين ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم من تقييد لمفهوم الصحبة.

هل مفهوم الصحابة يشمل من أسلم بعد الحديبية؟

والإجابة التي ستقنعك على هذا السؤال تختلف على حسب إن كنت تهتم بما دلت عليه النصوص عن مفهوم الصُحبة؛ أي أنك تهتم بما أخبر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن تقييد من يشملهم مفهوم الصحبة، أم تهتم بأقوال أغلب علماء المسلمين الذين توسعوا في تعريف الصحابة متابعةً منهم لبني أمية!

روى الإمام أحمد في مسنده (21521)، وغيره، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]، قَالَ: قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَتَمَهَا، وَقَالَ: «النَّاسُ حَيِّزٌ، وَأَنَا وَأَصْحَابِي حَيِّزٌ»، وَقَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ كَذَبْتَ، وَعِنْدَهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُمَا قَاعِدَانِ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَوْ شَاءَ هَذَانِ لَحَدَّثَاكَ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ الدِّرَّةَ لِيَضْرِبَهُ، فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ قَالَا: صَدَقَ.

ومروان المذكور هنا الذي غضب وكذّب كبار الصحابة هو الخليفة الأموي مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهو من التابعين. وأئمة المسلمين على أن المقصود بالفتح في سورة الفتح هو صلح الحديبية، ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27]؛ فهو الفتح القريب، والذي كان بشارة بفتح آخر؛ وهو فتح مكة، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3] الذي اندفع الناس بعده للدخول في الإسلام بعد أن أُطلق فيه عامة أهل مكة، وفيهم أغلب بني أمية، الذين كانوا مشركين حتى يومه، ووفقًا لرواية أبي سعيد لا يدخلون في عِداد الصحابة، فإذا عرفنا ذلك فهمنا سبب غضب مروان وتكذيبه لأبي سعيد الخدري حتى همّ أن يضربه بالدِّرَّة، لولا أن صدّق على روايته زيد بن ثابت ورافع بن خديج.

وفي سورة الحديد آية تتفق تمامًا مع تمييز الحديث السابق لمن أسلم بعد الحديبية –قبل فتح مكة- عمّن أسلم بعدها. يقول تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: 10]، وسورة الحديد نزلت في المشهور بعد الحديبية، فالفتح المقصود في الآية في رأي أغلب العلماء هو صلح الحديبية، فليس بعده صُحبة ولا هجرة، وفي الآية مع ذلك وعد بالجنة للمنفقين المجاهدين ممن أسلموا بعد الحديبية.

وقد روى الإمام الطبري في تفسير آية الحديد حديث آخر عن أبي سعيد الخدريّ، قال، قال لنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عام الحديبية: «…لَوْ كانَ لأحَدَهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَب فأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدّ أحَدِكُمْ وَلا نَصيفَهُ، ألا إنَّ هَذَا فَصْلُ ما بَيْنَنَا وَبَينَ النَّاس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: 10]»، والحديث له سند آخر عن أبي سعيد التمار. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقول «أصحابي» إلا لمن أسلم قبل الحديبية، ويخاطب من سواهم فيقول «الناس».

وهناك حديث صحيح مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لخالد بن الوليد لمّا تشاجر مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فسبّه: «لا تسبوا أصحابي…»، وخالد بن الوليد غير مختلف في أن إسلامه كان بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، فقد كان من قادة فتح مكة، والرسول يأمره –والأمر عام- بألّا يسب أحدًا من أصحابه فهو مهما فعل –وبلاؤه في الإسلام كبير- لن يبلغ مقدار أيٍ منهم، فما بالنا بطلقاء فتح مكة ومن على شاكلتهم، بل ما بالنا بالمنافقين؟!

فإن كان الثابت من الحديث الشريف، وفي روايات كثيرة، أغلبها في مسند الإمام أحمد، أنه «لا هجرة بعد الفتح»، وإن كان الله تعالى قد قسم المؤمنين إلى مهاجرين وأنصار وتابعين بإحسان، فعلى أي أساس جُعِل من أسلم بعد الفتح في عداد الصحابة وليس التابعين؟!

فهذه إشارة عابرة إلى مخالفة المشهور من قول علمائنا عن مفهوم الصحبة لكلام رب العالمين وخاتم النبيين، فلديهم إصرار على تجاهل النصوص الصحيحة، وتبني المفهوم الأموي للصحبة الذي توسع حتى شمل كل من رآه صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس صُلب حديثنا في هذا المقال، فما يعنينا الآن هو مناقشة توسيع إطلاق الترضي؛ والذي خص الله تعالى ورسوله رجالًا وأقوامًا من المؤمنين بأن شهدا لهم بتحقق الرضا الإلهي، فضلًا على أن توسيع الترضي والمبالغة فيه لم يكن من عادة السلف! وما هو إلا محاولةً أخرى لرفع شأن الطلقاء.

الترضي في القرآن الكريم

ترضٍ عام عن جميع المؤمنين مع وعد لهم بالجنان

بالرجوع إلى كتاب الله سنجد أن آيات الترضي خمس آيات؛ آيتان عامتان تتحدثان عن رضا الله تعالى عن عموم المؤمنين من لدُن آدم، وآية تتحدث عن عموم المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وآيتان خاصتان في فئتين معينتين من أمة محمد.

فأما الآيتان العامتان اللتان أبلغنا تعالى فيهما برضاه عن المؤمنين عامةً، فهما:

﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)﴾ [البينة: 6-7-8]

والآيتان [المائدة: 119] و [البينة: 8] عامتان، تخبرانا عن أن رضا الله تعالى إن شمل عبدًا أدخله الجنة؛ ولكننا لا نعرف يقينًا مَن مِن البشر بخلاف الأنبياء قد نال هذا الرضا وسيدخل الجنة باستثناء قلائل نظن فيهم هذا لسابق الإبلاغ عنهم وتبشيرهم بالجنة؛ وعليه فكُل من بُشِّر بالجنة يجوز أن يُقال له «رضي الله عنه»، ولكن هل نقولها لكل أحد؟!

وأما الآية التي تتحدث عن رضا الله عن عموم فئات المؤمنين الثلاث من أمة محمد صلى ‏الله عليه وسلم، فهي:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

هذه الآية هي أوسع الآيات دلالة على من يشملهم رضا الله من المسلمين، فهي تضم جناحا الصحابة المهاجرين والأنصار، ثم تُلحق بهم من اتبعوهم شريطة أن يكون إتباع بإحسان. وسبق وأوضحنا أن صلح الحديبية هو حد التمييز بين الصحابة والتابعين.

قال أبو جعفر الطبري في تفسيرها: «يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولًا إلى الإيمان بالله ورسوله ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم، ﴿وَالْأَنصَارِ﴾ الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ يقول: والذين سَلَكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام, طلبَ رضا الله ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، أو أدْركوا. وقال آخرون: بل هم الذين صلّوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وكما يتضح فشرط الإتباع بإحسان لغير السابقين من المهاجرين والأنصار يمنع إطلاق الرضا على الجميع دون تمييز. فإن استحال التمييز واستعصى وجب التوقف عند المهاجرين والأنصار فقط، وبالكاد يمكن ضم من كان له بلاء كبير مشهود في الإسلام من غيرهم.

ترضٍ خاص عن فئتين خاصتين

إضافة إلى آيات الترضي العامة على جميع المؤمنين، فهناك آيتان خاصتان في كتاب الله نزلتا في فئتين خاصتين من هذه الأمة، وهؤلاء كان يخصهم السلف بالترضي إلحاقًا عند ذكر أسمائهم أعيانًا.

الآية الأولى

﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].

والراجح أنها نزلت في المؤمنين يوم بدر حين قتلوا أو همّوا أن يقتلوا قراباتهم من المشركين.

الآية الثانية

﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

والآية بالاتفاق نزلت فيمن بايع النبي بيعة الحديبية، وتُسمى بيعة الرضوان، وكانت بشارة لهم بفتح مكة. عددهم ألف وأربع مئة على الأرجح أو قريب منه، ويُعرفون بأصحاب الشجرة.

وكان من فخر سيدنا علي أنه حارب معاوية في صفين، وفي جيشه نحو سبعين من أهل بدر، وثمانمائة من أهل بيعة الرضوان.

الترضي في الأحاديث الشريفة على أهل بدر وأصحاب الشجرة

في الحديث الشريف وردت أحاديث في فضائل بعض أعيان الصحابة، وإن لم يُذكر فيها لفظ الرضا إلا أنها شهادة لهؤلاء النفر بأسمائهم بالإيمان والبشارة بالجنة، فأحاديث في فضل الخلفاء الراشدين وطلحة والزبير وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقّاص وآل البيت وبعض أمهات المؤمنين وبعض كبار الصحابة السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار.

وكما لم ترد آيات واضحة في حق فئة معلوم عِدَّتهم من المؤمنين سوى أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فكذلك كان الحال في الأحاديث، حيث وردت أحاديث تفيد رضا الله عن هاتين الفئتين جميعًا بلا استثناء، وأنهم جميعهم في الجنة إن شاء الله تعالى.

في صحيح مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، وردت قصة حاطب بن أبي بلتعة. وفي الحديث (2494) قول الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر لمّا أراد ضرب عنق حاطب «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

وفي الحديث (2495) أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخُلنَّ حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية».

وفي فضل أهل بيعة الرضوان، في الحديث (2496) قال صلى الله عليه وسلّم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد. الذين بايعوا تحتها».

ومثل ذلك كثير من الروايات في الصِحاح عن أهل بدر وأهل الحديبية دون غيرهم.

لا وجود لآيات أو أحاديث تذكر رضا الله على جميع من شهد أُحد أو الخندق أو غيرها من المشاهد

مع شيوع الروايات التي حكت لنا عن رضا الله تعالى على أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، نلاحظ أنه لا توجد آية واحدة ولا حديث واحد تشير إلى رضا الله على جميع من خرجوا في أُحد أو الخندق مثلًا على عكس البشارات المتكررة لأهل بدر وأصحاب الشجرة، ذلك أنه قد ثبت في الصحيح أنه كان فيهم منافقون.

ورد في مسند الإمام أحمد (21491) و(21522)، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد، فرجع أناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين؛ فرقة تقول بقتلهم وفرقة تقول: لا. فأنزل الله عز وجل ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة».

فطالما قد داخل المؤمنين قلة من المنافقين، والله ورسوله لا يشهدان لأحد بالرضا ودخول الجنة كذبًا لم يعم الترضي، وإلا فهل المؤمنون ممن شهدوا أُحدًا الذين ذادوا عن رسول الله أقل شأنًا من أهل بيعة الرضوان الذين لم يزيدوا عن البيعة ولم يقاتلوا؟ لكن الثابت أيضًا أن المؤمنين ممن شهدوا أحدًا والخندق قد شهدوا إما بدرًا أو الحديبية أو كلاهما، كما أنهم داخلون في عموم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

خاتمة

من المقطوع به أنه كان هناك منافقون في المدينة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أخبرنا تعالى بعدم رضاه عنهم. وفي سورة التوبة يتحدث الله تعالى عن هؤلاء المنافقين الذين تخلّفوا عن الالتحاق بجيش العُسرة، وأخذوا يتعذّرون للنبي والمؤمنين بعد عودة الجيش. ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96].

فإن كان مفهوم الصحبة أساسًا مختلف فيه بعد أن ضُم من أسلموا بعد الحديبية إلى المهاجرين والأنصار قسرًا، فما بالنا بإطلاق الترضي على جمعٍ كبير من الناس لم نتيقن من رضا الله عنهم؟

إن إطلاق الترضي نوع من الشهادة لمن يُلحق به اسمه، بينما ليس لنا أن نشهد إلا بما أعلمنا به الله ورسوله، وليس تعميم ما خص الله به فئات وأشخاص محددين في حق آلاف رغم تيقنا أن بينهم منافقين فاسقين لم يشملهم رضا الله، وقد اشترط تعالى ليشملهم رضاه الإتباع بإحسان، وهو ما يخفى على علمنا!

هذه تسوية بين من لم يسوّ الله بينهم، وتعميم لما خص الله به أقوامًا من خاصة الصحابة، ‏والأمر أشبه بمن يطلقون في عصرنا لقب باشا على كل البشر أمامهم حتى فقد اللقب قيمته، ولم يعد له معنى.

في المقابل فإن من يقرأ أمهات الكتب يجد على سبيل المثال أن السلف قد خص أهل البيت أصحاب الكساء الخمسة بالسلام عليهم، والسلفية يخالفون في هذا ولا يسلمون عليهم أعيانًا؛ فلا يقولون فاطمة عليها السلام كما كان يقول سلف الأمة! الطبري في تاريخه يقول مرارًا: عليّ عليه السلام ومعاوية، بينما سلفية عصرنا يقولون علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه. حطّوا من قدر الأول ورفعوا من قدر الثاني!

وعندما يُصلّون على النبي عليه الصلاة والسلام يصلّون على آله وصحبه معًا، وهذا ابتداع لأن صيغة الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم التي علّمنا إياها ليس فيها الصلاة على الصحابة؛ ذلك أن أهم شواغل السلفية هو مخالفة الشيعة ولو بالابتداع، بينما لا يكفون عن اتهام كل من عداهم بالابتداع والفسق ومخالفة السلف. ومع ذلك فالصيغة المضاف فيها «وصحبه» ليس فيها ما هو محرم شرعًا، لكنني ألفت فقط إلى ابتداعاتهم. فهل هذا فعل سلف الأمة؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد