“إلى واحد من أكثر الشخصيات التي أثّرت في حياتي .. له أهديه هذا الكتاب وبسببه كتبته”

كان هذا هو الإهداء الذي خطّه العبد لله بيده بادئًا به أُولى صفحات كتابه الأخير تحيةً لصديقه الأثير ابن “كفر بدر” الذي رافقه خلال مشوار طويل لم يُقابله فيه يومًا وإن سَكَن روحه فيه لأيامٍ وأيام.

 

رفعت اسماعيل الرجل الذي تعرّفتُ عليه وأنا ابن عشر سنين، من أول نظرة ومن أول عَدد استراح كِلانا للآخر. ليس فقط لأنه يُشبهني في كل شيء، فأنا مثله ملول، عصبي، قابل للانفجار في كثيرٍ من الأوقات، أكره البشر وأُفضِّل عنهم الوحدة والقراءة والكاكاو. وإنما لأن كل طرف وَجَدَ في الثاني ما يبتغيه.

 

أنا قارئ نهم سَأَمَ من أقاصيص د.نبيل فاروق وأبطاله الخوارق مَفتولي العضلات، فاتني النساء، العسكريين، الذين يقفزون ويركلون ويضربون ويُوقعون الطائرات بنظرة عين وبغمزة رمش. وكَبرَ على مجلاّت بُلبل وميكي وسمير وماجد وعلى مُغامرين محمود سالم الخمس الذين يكتشفون أشهر مُرتكبي الجرائم ويَحلّون أعتى الألغاز بأبسط وأجلى تفكير.

 

هو بطل روايات جديد غريب؛ نحيل، أصلع، ساخر، مُعظم أصدقائه وجيرانه يظنّون في عقله الخبل، لم تُعجَب به أية أنثى في الدنيا إلا اثنتين؛ أمّه و امرأة اسكتلندية مخبولة تسكُن وحيدة قصرها الفخم المَليء بالأشباح وبالدروع الحديدية التي تتحرّك ليلًا.

 

صحيح أنني كنتُ من المُنادين بإنهاء السلسلة مع التدهور الفنّي الكبير في الأعداد الأخيرة ومُطالباتي مِرارًا وتِكرارًا بأنَّ أوان العجوز قد حان للتوقف عن السرد خوفًا عليه -وعليّ- من لحظة سقوط مروّعة تكون أصعب ما تكون على أبنائه الذين تشكّلوا على يديه وصَنَعَ لهم وعيًا ووِعاءً وتوعية.

 

لحظة لم أتمنّاها أبدًا لرجلٍ ساهَمَ في تشكيل عقلي ومبادئي وسَبَك قلبي وأفكاري شأنه شأن والداي وإخوتي وخاصة أصدقائي وأهل بلدي الأقربين، ولكنها كانت لحظة حتمية كي لا يَتبقّى في الفم إلا ذِكرى حلاوة الطعم وعَظَمَة الحَبْك ولا تُفسدها شوائب التشبُّع والمطِّ وتكرار الأفكار ونضوب منابع التجديد، شوائب مهما كانت ضئيلة إلا أنها تستطيع بسهولة أن تُلطّخ سُمعة صحن الحليب الأبيض النقي بنُقط غرابيب سُود تُفسِد جلال المَظهر وصفاءه.

إلا أن هذه اللحظة أتتْ عليّ أقسى مما كنتُ أتخيّل لتؤكّد لي أن (أبي) الطيّب بلا جهد، المُثقّف بلا ادعاء، المُتدين بلا تمثيل قد رحل إلى الأبد وبلا رَجعة.

 

رحل مَن أخبرني لأول مرّة عن أدب العقّاد وطه حسين و إدجار آلان بو ولافكرافت وشجّعني على القراءة لهم وعنهم.

 

رحل مَن أخبرني لأول مرّة أن اسم مارلين مونرو الحقيقي هو “نورما جين بيكر” وأن الحشرات يُمكن أن تُستخدم في تعدين المناجم وقصَّ عليّ الأساطير الإغريقية واليونانية القديمة وأنا نائم وعلّمني سِيَر أُناس عِظام كتسلا وابن سينا ونوستراديموس وبوذا.

 

رحل مَن رفض أن يفتتح عيادة خاصة له -وهو طبيب الدم الأشهر والأقدر- وعاش في شقّته بالدقي فقيرًا مُفلِسًا يُطبّب أهل قريته العجوز جميعًا بالمجّان ويتفرّغ لمُساعدة كُل طارقٍ لبابه في مجالات الميتافيزيقا دون أن يَسأل عنه أجرًا ولا شُكورًا.

 

رحل مَن تحدّى شياطين جانب النجوم وواجَه لوسيفر وبلعزبول وحَرَقَ تعاويذًا سحرية بعدد شعر رأسـ..إحم..شعر رأسي إنقاذًا لحياة بشر لا يعرفهم ولا يعرفونه.

 

رحل مَن علّم جيلًا معنى القراءة وفتَّح لهم أبوابًا ما كانت لتُفتح دونه فكان من تلامذته كُتابًا وصحفيين ومُقدمي برامج ومُخرجين وناشرين، حين قام بدورٍ في تشجيع جيلنا على الاطلاع عجزتْ عنه دولتنا البارّة بأكملها رغم أجهزتها الكثيرة التي لا تفعل شيئًا إلا في تمجيد زعماءها الذين لا يفعلون شيئًا!

 

رحل مَن أكسبني من المعلومات الطبّية ما كان يُضارع أصدقائي طُلاّب القصر العيني في أولى سِنينهم، والذين كانوا دومًا يسألوني “بتجيب الحاجات دي منين؟ .. بتعرف المعلومات دي كلّها إزاي؟” .. لهم ولغيرهم كُنت أجيبُ بإجابة واحد .. “اقروا سلسلة ما وراء الطبيعة”.

لينضمَّ رفعت إسماعيل إلى باقي قافلة أركان زمني الجميل الذين يختفون بانتظام رتيب مقيت شأنه شأن عمّو فؤاد ورونالدو البرازيلي وزين الدين زيدان وفرانشيسكو توتي وبوجي وطمطم ومحمود الجوهري ومبنى مدرستي القديمة ومَحَال البلاي ستيشن العتيقة وكارتون كابتن ماجد وسلاحف النينجا والبوكيمون وإريال التليفزيون الأرضي.

 

ليؤكدون جميعًا لي أنني هرمتُ جدًّا – رُغمًا عنّي – وأنني صِرتُ من (الكُبار) – رغمًا عنّي – وأنني أحد الذين فقدوا عالمهم البسيط القديم وصارت لهم مَسؤوليةً ما وانجرفوا في دوّامات بلاد السبع وصايا والسبع سواقي.

 

قديمًا قالوا مَن علّمني حرفًا صرتُ له عبدًا .. وأنت يا دكتور علّمتني أبجديات مهّدت لحياتي كاملة طيلة خمسة عشر عامًا هي مدّة تعارفنا فصرتُ لكَ مُريدًا وابنًا.

كم كنت أتمنّى أن نَتقابَل وأن تكتب عنّي ولو سطرًا واحدًا في بريدك الشهير خِتامَ كُل عدد إلا أن المَنية لم تُمهلك وأخذك المرض اللعين منّي، فتحوّلتْ أمنيتي – آسفةً – لأخرى؛ مُلاقاتك يومًا بعد حينٍ في زمن الخُلد.

حيث أصنع لكَ الشيكولاتة الساخنة التي تُحبّها كثيرًا وأمنحك قُرص دواء الضغط الذي تنساه دومًا وأعقد حولك حزام الروب الصوفي لأن بذلتك الكحلية التي تجعلك فاتنًا تآكلت قليلًا لأقصَّ عليك أسطورة الصبي ذو العشرة أعوام الذي اقترَض لكَ صُدفة عددًا من أحد أصدقائه (اسمه محمد هشام :D)، ما إن فتحه في الشارع حتى استمرَّ في قراءته والتلكؤ في السير وحين وصل إلى بيته كان قد أنهى العدد فعاد مرّة أخرى لصاحبه يَطلُب منه كتابًا آخر فمَنَحه عددًا جديدًا لم يصمد معه ساعةً واحدة.

 

ومن يومها لم يترك لكَ حَرفًا حكيتَه إلا وقرأه واستقطره وقرّر حين نضج قليلًا أن يُجرّب قلمه كي يُضارعك في السرد ويحاول أن يتفوّق عليك وهو أمرٌ عسير يعلمُ أنك ستكون أول المسرورين به والفخورين له.
لي كتبتَ عشرات الأعداد وآلاف الكلمات ولكَ كتبتُ مقالة واحدة! فكم بيننا.

عزيزي رفعت إسماعيل .. وداعًا، وشكرًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد