أصبح لنا قناعة وبلادة وعمامة مع كل شيء، جربنا الفقد مع الوطن، والتيه في المنفى، جربنا الخيبات والخذلان والتهجير والغدر وألوان الفقر، جربنا النوم في العراء، ورائحة جلدنا المشوي من أشعة الشمس، جربنا النوم لساعات على الأرصفة جربنا البكاء، والموت على كل غصة في القلب، لكن لم نجرب أن نكون مخلصين لأقوالنا، فنقول ما لا نفعل، وإن فعلنا، يكون لفعلنا أبعاد أخرى غير الإخلاص لما قلنا.

أصبحنا نستبيح كل شيء يمكن الحصول عليه، إلى الحد الذي أصبح أكثر التناقضات رعبًا من حولنا هي تلك التي أصابت ضمائرنا، فآمنا أن للثعلب دينا. انسكب الاستخفاف بحقوق الآخرين في عقولنا، وسيطرت غريزة الاستحواذ كأسلوب على نفوسنا، فاعتبرنا أن كل ما يمكن الحصول عليه هو حق لنا، تقبلنا التناقض في دواخلنا فتظاهرنا بالتدين وأنصفنا الشيطان بما بين يدينا.

ولأن الحديث ليس على إطلاقه، ولأن شواهد الخير كثيرة، إلا أن الأمر أصبح ظاهرة تستوجب الوقوف عليها، ظاهرة يشعر كل مورست عليه بالقهر الاجتماعي.

وبعيدًا عن أعمق مظاهر استباحة حقوق الآخرين مثل أكل أموال الناس بالباطل (غضبًا، احتيالًا، غشًا) أو رشوة ووساطة، أو أكل مال الأجير أو المماطلة في سداد الدين، أو سؤال الناس بغير حاجة، او استغلال المال العام، أو أقلها اهتمامًا من قبل العوام، مثل: السرقة العلمية على مستوى الدراسات والأبحاث أو حتى سرقة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي واعتمادها للنفس، فإن الأمر يتعلق بمكنون النفس وتناقضها، فتقبل هذه الأفعال بحق الغير، وترفضها بحق الذات، فالأصل أن يحب الإنسان ما يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن يكره له ذلك أيضًا، لكن وإن اعتبرنا أن النفس البشرية متقلبة، وأنها أمارة بالسوء أحيانًا، فهذا لا يعني الاستحقاق بالجرم واعتباره من وجهة نظر البعض (شطارة، فهلوة) وأمرًا عاديًا لا يوجب التذمر، بحجة أنه يقوم بما يقوم به الآخرون.

إن هذه الحالة لا يمكن أن تعزى إلى الفقر أو العوز أو ضيق الحال، بقدر ما يمكن أن تعزى إلى قلة الوازع الديني والأخلاقي واتساع الفجوة بين التربية والسلوك.

وما يزيد الطين بلة في هذا الجانب أن المؤسسات التربوية (المدرسة، المسجد) والتشريعية والقضائية تقوم بدورها بشكل كبير في مجال التوعية بحقوق الغير، إلا أن الظاهرة في ازدياد وتسير بخطوات سريعة تزيد من تفسخ النسيج المجتمعي، ومن الناحية النفسية لا أعتقد أن من يقوم بمثل هذه الأفعال حتى في أبسط صورها يكون متقبلًا لها داخليًا، بل من الممكن أن يكون قد وخزه قلبه بالرجوع عنها، إلا أنه تمادى فيها ليستحوذ على ما لا يستحق.

وبعيدًا عن الناحية الدينية وفوضى الفتاوى حول الحلال والمباح والحرام في مثل هذه التصرفات، فإن أكثر ما يمكن أن يعود على المنتهك أو المستبيح لحق غيره هو المصلحة المؤقتة التي سرعان ما ينتهي أثرها باندثارها، ويبقى الأثر الأكبر وهو فقدان التوافق المجتمعي بعد اكتشاف فعلته؛ مما يضرب السلم الاجتماعي في مقتل لا تعود الحياة بعده، وتعض الأصابع ندمًا على المستويين الشخصي والعام، في حالة تزيد من حالة التناقض بين المصلحة والسعادة الحقيقية.

قد يسألني أحدهم، والحل؟

الحل، لا يرتبط بسلطة ولا بقانون ولا بتربية، والحل مرتبط بذاتك التي تعرف الحلال من الحرام، وتميز التعايش من الاستقواء فلا يكفي أن تكون على قيد الاحترام، بل يجب أن تكون أيضًا على قيد عدم الاستخفاف بالآخرين.

ففي هذه المدينة الكئيبة ينام الليل ملتحفًا بالشاطئ الملوث، يحتضن شقاء الفقراء، وأرواحًا تتقن التمثيل، وتقتات الثورة على الفضيلة المزيفة، وعلى نفوس وطنية مشدوهة ونسيج اجتماعي مهترئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد