في طفولتنا كثيرًا ما سمعنا عن أناسٍ حققوا ثرواتهم من تجارة الآثار، وآخرين جمعوا ثروتهم من المخدرات، وأن هذه طرق موجزة للثروة. كبرنا قليلًا فإذا المقاهي عامرة، والبطالة تلعب بالشباب تلاعب النار بالحطب، وكان بعض الشباب لهم رأي في العمل؛ فمحطة الوقود تؤمن لك دخلًا جيدًا، خصوصًا مع البقشيش الذي يتركه بعض العملاء، إلى أن تتحسن الظروف والبلية تلعب. الجميع يحلم بخبطة العمر، وينتظر السنارة تغمز، وبعدها يرتاح من عناء البحث اليومي عن لقمة العيش، وينتقل إلى الحياة الحلوة (وعيشة ولاد الناس اللي فوق).

شباب آخرون وجدوا أن الخلاص من الواقع الخانق يتلخص في السفر، وركبوا البحر ومنهم من غرق وهو يحلم بواقع أفضل، حلموا به وأعجبوا به، إلا أن البحر لم يرحم غربتهم ولم يأذن لهم أن يشاركوا غيرهم حياةً أرغد. واليوم لا تتحدث مع أحد إلا وأقسم لك بالأيمان المغلّظة أن الثراء له طريق واحد؛ إنه التكنولوجيا والتطبيقات الحديثة. يبدو أننا نطارد السراب من نعومة أظفارنا وحتى الموت، ونقنع بالكلام دون العمل، وهذا لن يفيدنا في شيء على الإطلاق، وليس صحيحًا أن النجاح بابه التطبيقات الحديثة وحدها.

في الثلاثينات من القرن العشرين، جلس بلايسديل إلى صديقه للحديث في بعض الأمور، وكان صديقه يدخن بشراهة. لاحظ بلايسديل أن الولاعة التي يستعملها صديقه ثقيلة، ومظهرها الخارجي لا يشجع على اقتنائها، مع أنها سويسرية الصنع وفعالة ومقاومة للرياح. لم يكن الحديث عن الولاعة يدور في رأس بلايسدسل، ولكن الموقف نفسه استحوذ على تفكيره لوقت بعدها. قرر بلايسديل أن يجري بعض التعديلات على الولاعة السويسرية؛ ليجعلها أخف وزنًا وأكثر قبولًا وأسرع استخدامًا.

استغرق الأمر من بلايسديل قدرًا كبيرًا من البحث والتجريب، وبعد عناء ذهني تمكن من تحقيق هدفه. أحدث تغييرات ملموسة اجتذب بها الكثير من العملاء، ولأنه يدرك تمامًا الإتقان الذي أجراه، وطلبًا للمزيد من الانتشار والمصداقية؛ فقد أرفق كل ولاعة بضمان غير مشروط مدى الحياة. لك أن تتخيل وقع هذه الكلمة على المجتمع، وكيف أن الثقة في المنتج تتضاعف، بل تنتشر بشكل فيروسي عند سماع هذه الجملة. لم يدفع بلايسديل أي مبلغ على الإطلاق كتعويض، ولم ترفع ضده أي دعوى قضائية، وارتفع حجم مبيعاته بشكل مطرد، والسر في ذلك كما يلخصه بلايسدسل: (ابتكر منتجك وطوّره وتابعه باستمرار؛ لتنجح وتبقى في مكانة عالية).

حقق بلايسديل النجاح من موقف بسيط، وربما تمر عليك عشرات المواقف يوميًا التي يمكنك الاستفادة منها، وليس بالضرورة أن يكون النجاح في وادي السيليكون أو عالم التكنولوجيا فحسب؛ فالنجاح حديقة متعددة المداخل والأبواب، والمهم أن تدخل هذه الحديقة من أي باب، وأن تحقق لنفسك السعادة التي تبحث عنها. الشرط الوحيد لدخول حديقة النجاح ألا تتوسل بطرقٍ ملتوية، أو ممارسات غير شريفة.

النجاح لوحة فنية راقية تتداخل فيها الألوان؛ فالأسود يشير للحظات السقوط والفشل، والأحمر يشير للعطاء وبذل المجهود المضني، والأخضر يجدد الأمل ويدفع اليأس والاكتئاب والقلق، وتداخل الألوان يثري اللوحة ويعزز قيمتها. النجاح ليس السير على خطٍ واحد، لكنه المقاربة من هذا الصراط المستقيم، ومتابعة المحاولات دون قنوط أو تراجع، ولا يأتي النجاح من طريق وحيد. البعض يتحدث عن التكنولوجيا، وكيف أن موقع «فيسبوك» صنع 10 مليارديرات، وأن الطريق إلى الثراء هو طريق التكنولوجيا فقط، وهذا قول مردود عليه.

جيف بيزوس، بيل غيتس، ستيف جوبز، مارك زوكربيرغ، جاك دورسي وغيرهم نجحوا من وادي السيليكون، هذا صحيح ولكن طرق الثراء ليست حكرًا على التكنولوجيا وحدها، والأمثلة على ذلك لا تحصى. في أكتوبر (تشرين الأول) 1945 ولد طفل لأسرة متواضعة الدخل، وانتظم بالدراسة حتى الثانوية ثم توقف، كانت الرسوم الدراسية فوق أن يتحملها بكثير. لم يجلس على مقهى كما يفعل الشباب في بعض الدول، كان حس المسؤولية عنده عالٍ؛ فباع الحليب والمشروبات الغازية، ثم توسعت تجارته فباع المستلزمات الدراسية البسيطة لطلاب المدارس، وبمرور الوقت تحول متجره الصغير لبيع الحليب إلى شركة لصناعة المشروبات.

اليوم يمتلك هذا الرجل 20 مليار دولار، ويحظى بمكانة كبيرة في بلاده، وقد حاز وسام رائد الأعمال الوطني الممتاز؛ إنه الصيني تسونغ تشينغهو، ثاني أغنى رجل أعمال في الصين عام 2013، والذي يؤكد لك أن النجاح وإن كان متاهة، إلا أنه متاهة محببة للنفوس، ويسعى الجميع لدخول هذه المتاهة، وليس صحيحًا أنها طريق مختصر يمكن إجماله في دنيا التطبيقات الإلكترونية وحدها.

يمكنك التطوير في صناعة الصابون السائل، وهو منتشر جدًا في مصر بشكل تقليدي. الصابون السائل لا يحتاج لمعدات ضخمة ولا آلية معقدة، وبالمتابعة والتطوير قد تحقق ما حققه بلايسديل في عالم الولاعات، ويمكنك تحقيق نجاحك من صناعة العطور، وبعض أنواع مستحضرات التجميل. يمكنك النجاح في أي شيء بسيط وغير معقد، المهم أن تدرك ما يحتاجه الناس من حولك، وأن تسعى دون يأس أو أحكام مسبقة، وعندها ستندهش من نفسك وربما توبخها لتأخرها في طرق هذا الباب أو ذاك.

نجح أحدهم في بيع حجارة على أنها حيوانات أليفة! لم يخدع الناس ولكنه ضجر من شكوى صديقه الذي يصطحب كلبه كل أسبوع للطبيب؛ فقال له ساخرًا: اشتر حيوانًا من الحجر! ثم أقدم هو على تنفيذ تلك الفكرة الساذجة، ونجحت بشكل لم يصدقه هو نفسه.

لم يعرف بابكر موسى التكنولوجيا إلى أن مات، ولم يدرس شيئًا بعد الابتدائية، وباع الليمون وتاجر في العملة، واشترى حمارًا لينقل عليه البضائع للناس، ومع ذلك حقق ثروةً لا يحلم بها الكثيرون من شباب التطبيقات الإلكترونية. النجاح يبدأ من العقل، وكان بابكر موسى رجلًا ناجحًا وجمع المليارات، وهذه رسالة لك موجزها: لا تنتظر السفينة أن تقف بين يديك، ولا أن تطرق الفرصة بابك، وحاول في أي مجال تفهم فيه أو تحبه، وعندها ستتغير حياتك للأفضل، ولن تلتفت لأحلام اليقظة التي لا طائل منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد