بِرُّ الوالدين أقصى درجات الإحسان إليهما. فيدخل فيه جميع ما يحب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين حتى قرن الله سبحانه تعالى الأمر بالإحسان إليهما بعبادته التي هي توحيده والبراءة عن الشرك اهتماما به وتعظيما له. من روائع الدين الإسلامي تمجيده للبر حتى صار يعرف به، فحقا إن الإسلام دين البر الذي بلغ من شغفه به أن هون على أبنائه كل صعب في سبيل ارتقاء قمته العالية، صارت في رحابه أجسادهم كأنها في علو من الأرض وقلوبهم معلقة بالسماء وأعظم البر (بر الوالدين) الذي لو استغرق المؤمن عمره كله في تحصيله لكان أفضل من جهاد النفل.

ويكون بجميع أنواع الإحسان، والصلة، والمحبة، والكلام الليّن، وتجنب الكلام الغليظ، ورفع الصوت، ويناديهما بأحب الألفاظ، مثل: يا أمي، ويا أبي، ويقول لهما ما ينفعهما، ويعلمهما دينهما، ويعاشرهما بالمعروف.

ومن المسائل العملية أيضًا الخصومة التي تكون بين الوالدين، فقد يكونان متهاجرين، أو بينهما طلاق عن غضب، فإن انفصلا سعى إلى شفاء صدر كل واحد منهما على الآخر بعد أن زالت العلاقة، وأما إن كانت العلاقة موجودة، ولا زالت أمه على ذمة أبيه فإن هناك واجبًا على الابن وهو السعي في الإصلاح بين المتخاصمين، وإذا كان الله قد أمر بالإصلاح بين المتخاصمين في الأحوال العادية، فما بالك إذا كانت الخصومة بين الأبوين (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) سورة النساء 114. ورخص النبي صلى الله عليه وسلم في الكذب للإصلاح بين المتخاصمين، مع شناعة الكذب وقبحه، ولكن لأن مصلحة الإصلاح أعظم من مفسدة الكذب.

 وكثير من الأبناء إذا حصلت خصومة بين الوالدين لا يتدخل ربما عن خجل وهذا خجل مذموم، أو عن تقصير ويقول ماذا أعمل لهما، وأنا أصغر منهما وأنا ابنهما؟، ونقول إن الولد يمكن أن يفعل الكثير، وربما يحصل التقبل منه أكثر مما يحصل من غيره، ولذلك يجب السعي إلى الإصلاح بينهما، وإزالة المخاصمة بكل طريق، وأن يكون ذلك بالحكمة، ولو استعمل الكذب في نقل شيء لأحد الطرفين عن الآخر، بعد التدبر والتأمل حتى يحصل لكل منهما الرضا عن الطرف الآخر.

أما الأدلة من القرآن والسنة على وجوب بر الوالدين:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الأنعام: 151]

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ﴾ [الأحقاف: 15]

﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [البقرة: 83]

﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: 32]

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [مريم: 47]،

﴿ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [الشعراء: 86]

أما الأدلة من السنة النبوية على ذلك:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذلكم البر كذلكم البر وكان أبر الناس بأمه. وقوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا).النساء:36

ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين – وجلس وكان متكئًا، فقال – ألا وقول الزور . قال: فما زال يُكررها حتى قلنا: ليته يسكت.

وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله فقال صلى الله عليه وسلم الصلاة في وقتها، قلت ثم أي قال بر الوالدين، قلت ثم أي، قال الجهاد في سبيل الله).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ الذُنوبِ يُؤخّرُ اللهُ تعالى ما شاءَ مِنها إلى يومِ القيامةِ إلا عقوق الوالدين).

عن بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي- صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين) (رواه الترمذي وصححه ابن حبان). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-(رغم أنفه.. رغم أنفه.. رغم أنفه..) قيل مَن يا رسول الله؟! قال: (من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة).

  • دور الآباء في تربية الأبناء

  1. أهم عنصرين في بناء الأسرة هما الأب والأم‫،‬ من اليوم الأول دور الأم واضح بل وتتولى القيام بأمور أخرى طالما دعتها الحاجة للقيام بها‫،‬ وبالنسبة لأغلب الآباء يفضلون أن يبقى دورهم بسيطًا ذو مسئوليات محدودة جدًا‫، وبعض الآباء يصبح كل دورهم وكأنهم ماكينة سحب النقود ولا شيء غير ذلك‫،‬ بالنسبة للطفل، كلا الأبوين مهمان، فكلاهما ضروريان لخلق مناخ آمن وجو من الحب والعطف‫.

  2. بمجرد أن تعلم الأم أنها حامل، تبدأ الاهتمام بدورها كأم وتنشأ علاقة الأمومة مع الجنين على الفور‫، من ناحية أخرى لا يشعر الأب بأي صلة بالجنين إلا بعد الولادة، وفي بعض الأحيان لا تأتي تلك اللحظة إلا متأخرًا، عندما يستطيع الرضيع أن يقوم ببعض الحركات، التي تدل على الانتباه والتواصل، من المهم أن تنشأ علاقة مبكرة بين الأب وابنه لخلق بيئة آمنة للطفل، يشعر فيها بالثقة والحنان، ويشعر أن والده موجود بجانبه طول الوقت، وليس أن يكون الأب هو الشبح الذي تخيف به الأم ابنها عندما يقوم بتصرف خاطئ.‬

  3. تؤكد الدراسات أن الأطفال الذين حظوا بوجود دور فعال للأب في طفولتهم، تكون لديهم مشكلات سلوكية أقل من أقرانهم‫، ليس بالضرورة أن يعيش الأب في نفس البيت مع الأطفال، فقد يكون الأبوان مطلقين، لكن وجود الأب في حياة أبنائه عامل مهم جدًا‫، الأبناء الذين يجدون آباءهم حولهم، يتميزون اجتماعيًا ودراسيًا عمن يفتقدون دور الأب‫.‬

المفهوم الديكتاتوري لبر الوالدين

تعريفه هو تسلط الأب على الأبناء وتدخله في كل خصوصيات ابنه ومنعه من القيام بأي شيء دون إذن مسبق.

  • أسباب تدخل الآباء في حياة أبنائهم الشخصية

  1. اعتماد الآباء على الأبناء بشكل زائد، كالانشغال بهم طوال الوقت، وخوف الآباء من فقدان أهميتهم في حياة الأبناء.

  2. وجود حالة عدم الاستقرار المادي، مما قد يسبب الكثير من الاحتكاكات ويعطي مجالًا للتدخل في كيفية إنفاق المال وما إلى ذلك.

  3. حرصهم الشديد على مصير ومستقبل أبنائهم.

  4. قد يرى الآباء أن التعبير عن آرائهم في القرارات التي يتخذها الزوجان مثلًا وغيرها، من السلوكيات التي يعتقد الزوجان أنها تدخلًا، وقد يرى الآباء أن هذه السلوكيات نوع من الاهتمام.

  5. أحيانًا يختبر الآباء ولاء الأبناء عن طريق الاعتماد عليهم في تلبية طلباتهم وقضاء حاجاتهم وتقديم الدعم لهم، وانتقاد الشريك الجديد لرؤية رد فعل الأبناء.

  6. هروع الزوجين إلى الأهل فور حدوث أي مشكلة بينهما، نتيجة لضعف التواصل بين الزوجين واحتياجها إلى طرف ثالث ليحل لهما مشاكلهما.

أدى هذا التدخل إلى خلق المشاكل وتدمير مستقبل الكثير من الشباب والبنات بسبب تدخل الأهل في اختيار تخصص معين أو الزوج للفتاة والزوجة للشاب وتجاهل آرائهم واختياراتهم.

هذا هو الجانب السلبي لبر الوالدين والذي جعل لبر الوالدين مفهوما سلبيا على عكس المفهوم الإيجابي الذي أتى به الدين الإسلامي الحنيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد