ليس غريبًا هذا العنوان إن أسقطناه على أنفسنا وعلى من حولنا. ليس غريبًا فمرارته في حلق كل عاقل. ليس غريبًا فآثاره نسبح في ظلماتها ونضيع في تيهها كل لحظة. كم منا يعلم حقوقه علم اليقين؟ كم منا لا يستشعر أن حقوقه مهضومة وأنه يعيش حالة ظلم لا يضاهيه فيها أحد؟ كم منا يرى نفسه في حياته مضحيًا من أجل الآخرين في حين أنه لا يجد لذلك مقابلًا يرضيه؟ كم منا يرى أن من حوله لا يقدرونه حق قدره الذي هو أهل له؟

وفي المقابل، كم منا يشغل نفسه بما عليه لغيره من واجبات؟ كم منا يراجع نفسه ويسألها عما قدمت لغيرها؟ كم منا يرهق نفسه ويكلفها عناء البحث عن حقوق الآخرين عليها ويتفقه في علومها فقهًا وتطبيقًا؟ كم منا يؤدي ما عليه بصدق إيمان ولا يصدع دماغه وأدمغة من حوله بحقوقه التي حرموه إياها؟ لو قارنا عددي أصحاب الفئتين، لوجدنا النسبة بينهما كما بين عددي سكان الصين وقطر على أحسن تقدير. وهنا تكمن المعضلة التي طالما عانينا من كوارث نتائجها. نظر حولك، تأمل، دقق النظر، ثم وافق أو اعترض على الآتي:

 

  • سترى ابنًا يعدد لك مدى قصور أبويه عن تحقيق أحلامه. بينما ترى إلى جانبه أبا يشكو عقوق أبنائه وعدم تقديرهم لتضحياته!
  • ترى طالبًا يؤلف مجلدًا في معايب المعلمين ومساوئ المسئولين عن التعليم، بينما ترى مقابله معلمًا يشكو بلادة شعور طلابه نحو العلم وقصورهم ولامبالاتهم وتكاسلهم عن أداء واجباتهم!
  • ترى زوجًا يحكي ما يراه نكران جميل من زوجته لا يمكن وصفه وكم يفعل ويفعل دون شكر أو تقدير. بينما ترى خلفه زوجة تصرخ ألمًا من معاناة يومية تعيشها تقابلها لا مبالاة من الجميع تحزن قلبها وتكلمه!
  • ترى مديرًا يعدد لك أسباب معاناته من عدم كفاءة موظفيه وإهمالهم وضعف إنتاجهم. بينما ترى وراءه موظفًا يكاد يبكي من ألم تعامل مديره الظالم المتعجرف المتسلط ذاك له!  
  • وفي كل مكان وفوق كل بقعة أرض ترى «مواطنًا» يشكو ليل نهار من إهمال دولته له ووقوفها عائقًا أمام امتلاك حقوقه بله عن تحقيق أحلامه، بينما ترى كل «حكومة» وكل «دولة» تشكو ضعف تعاون شعبها وعدم تحمل مواطنيها وعدم صبر شبابها وعدم تعاون حكمائها وسياسييها معها، وكونها تعمل كل لحظة تحياها في خدمة الصغير قبل الكبير دون تفرقة أو تمييز!  
  • وترى غيرهم الكثيرين والكثيرين الذين يبدون أمامك حملانا وديعة في طيبة القلب، وعقولة مبدعة في التفكير، وآلات رائعة في الجد والاجتهاد، وتقاة ورعين منيبين مخلصين في الأخلاق والضمائر!

لكن، كم مرة قابلت فيها ابنًا يبحث وسائل بر بوالديه ويسعى جاهدًا لكسب رضاهما متهمًا نفسه دائمًا بالتقصير نحوهما؟! كم مرة صادفت أبًا يؤنب نفسه بشدة على تقصيره في تربية أبنائه وتلبية احتياجاتهم النفسية والفكرية والتربوية قبل المادية منها؟! كم مرة رأيت فيها موظفًا مهمومًا بسبب عدم تطوير نفسه ليكون أهلا لثقة رؤسائه وكفؤا لأداء مهامه ويرى نفسه محتاجًا إلى الكثير من التدريب والتطوير فضلًا عن الابتكار والإبداع حتى يرضى عن أدائه الوظيفي وكي يرى نفسه مستحقًا راتبه فعلا؟!

إن ذلك «الفصام النكد» بين الواقع والمأمول، بين تأدية الواجبات وطلب الحقوق، إن ذلك «الفصام النكد» هو أساس جل المعضلات والمآسي التي نراها بين الأهل في البيوت وبين العاملين في الشركات والمصانع والمؤسسات، وبين مختلف الناس في التجمعات والمجتمعات، بل وكما أوضحنا في الكوارث بين الشعوب والحكومات. كل يرى حقوقه ويعمى عن واجباته! كل يذكر ما له ويتناسى ما عليه، كل يعيش دور المظلوم الذي أهدرت حقوقه واغتصبت آماله وكبلت إمكانياته وذبحت أحلامه وسرقت طموحاته!

والحل في غاية البساطة «نظريًّا»، لكنه «عمليًّا» يبدو محض خيال من هول صعوبة تنفيذه! لماذا؟ فقط لأنها «طبيعة البشر» ويبدو أن الإنسان جبل على التذرع بالحجج ومحاولة الظهور بأفضل صورة، والأفضل طبعًا أن يكون الملام غيره والمعاتب سواه والمخطئ هو كل أحد إلا هو!

هل لدينا الشجاعة أن نعترف بتحمل المسئولية؟ هل نملك الجسارة حتى نعلن أننا نخطئ في هذا ويجانبنا الصواب في ذاك، ونقصر في حق أولاء، ونحمل ذنب هؤلاء؟ هل يمكننا أن نصدع بها مرة «واجباتنا أولا ثم حقوقنا»؟! إذا فعل ذلك واحد فقط في مكانه لا نصلح حال هذا المكان. ولو تكرر هذا المثال لرأينا عالمنا وقد بدأ يخطو خطواته الأولى نحو الأفضل. وليكن المبادر له فضل السبق، فمن لها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد