التصرف الطبيعي هو أي تصرف لا ينتج عنه أي رد فعل إيجابي أو سلبي، فهو يعتبر شيئًا بديهيًا، وهو التصرف المتوقع، فعندما يفعل شخص ما شيئًا من واجباته من الممكن الثناء عليه، وليس التهليل، فإذا هللنا، فماذا سنفعل إذا فعل شيئًا فوق واجباته الرئيسة.. أليست معاملة رجل الشرطة للمواطن بدون إهانة أو بطش تعد التصرف الطبيعي؟ هل إذا قام حكم مباراة باحتساب قرار؛ صحيح يصبح عملًا بطوليًا؟ هل إذا قام موظف بإنهاء إجراءات بدون تشدد وبدون روتين لا داعي له؛ يصبح شيئًا خارقًا؟ هذا هو الحال لأية مهنة تقدم خدمات للمجتمع أن تقوم بعملها الطبيعي، ليست مِنهة أو تفضلًا منهم، ولكن هو فرض واجب عليهم تجاه من له الحق، ولكن عندما يقوم صاحب الحق بتمجيد هذا العمل الطبيعي والفطري فهو يبخس من حقوقه، وتحول أحيانًا لمطالب وغايات، وهذا ما تريده السلطات المستبدة، خاصة العسكرية منها، حيث تريد بث هذا الفكر وتأكيده داخل النفوس، فهم يعطشوننا ويحرموننا أبسط حقوقنا، بل حقوقنا الفطرية كمثال الحرية، فالإنسان وُلد حرًا، أخجل من أننا في هذا العصر، وأسمع مطالبات بالحرية وعندما يعطونها إياها تكون مقننة فهم يعاملونا بمقولة الروائي الفلسطيني غسان كنفاني: يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم، يا لوقاحتهم.

بعد فترة من الزمن، وعندما يتأقلم المواطن تحت حكم هؤلاء المستبدين على هذه الأجواء يقل سقف طموحاته وحقوقه، لدرجة أنه من الممكن أن يفرح؛ لأنه أخذ جزء من مطالب له، التي هي حقوق ليس من المفروض أن يطالب بها من الأساس، وينشأ جيل على هذا السقف المتردي من الحقوق ويغرس فيه الوضع، ويظن أن هذا هو الشيء الطبيعي، وهذه هي الحياة  .. الأديب ممدوح عدوان في كتابه: حيونة الإنسان. يقول: فعندما يُسحق الإنسان إلى درجة حرمانه من أشيائه الصغيرة والعادية في حياته اليومية، عندما يوضع في أمكنة لا تنتمي إليها روح الإنسان.. عندما يُجرّد من كل شيء حتى من اسمه ويتحول إلى رقم!  فيشعر لحظة استعادته لأبسط الأشياء أن الأقدار عادت لتبتسم له، وتدب في خلاياه دماء الحياة.

حقيقةً شيء مهين أننا نعيش حياتنا نبحث عن حقوقنا الأساسية الفطرية، وأخذ جزء منها يصبح غايتنا، وأن ينحدر منسوب الفرح لأننا نفرح لأشياء طبيعية للغاية، ويموت فينا كل إبداع بسبب افتقادنا أساسيات الفطرة الكونية، كأي مخلوق آخر.. فلنخبر الإنسان أن الخدمات التعليمية والصحية وحقوق المواطنة والإنسان التي بالكاد لا ينال منها إلا جزء هي في الأصل من حقوقه التي من المفترض ألا يحارب من أجلها، ويدفع من سنين عمره ثمنًا في السجون، وأحيانًا يكون عمره بالكامل، ويعلم أنها ليست كرم زائد من أحد.

أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وأرضاه كان يعطي للناس حقوقهم من مال بيت المسلمين يشكرونه، فيقول لأصحابه، ما بال هولاء الناس نعطيهم حقوقهم ويحسبونه مٍنة، ولكن هيهات بين الفاروق وهؤلاء الحكام الذين لا يعرفون عن الفاروق سوى اسمه.

حقوقنا ضائعة تائهة ورفاهيتنا معدومة وما زلنا على قيد الحياة، لكن هذ ليست حياة، هذه شبه حياة تلك المليئة بالمذلة، فلتعلم جيدًا، يا صديقي إنهم يسرقون رغيفك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد