1

 

في مقالته الشهيرة والتي اتخذت عنوان عشر إستراتيجيات للسيطرة على الشعوب، ذكر المفكر اليساري نعوم تشومسكي أولى تلك الإستراتيجيات، بإستراتيجية الإلهاء والتي تتمثل في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل المهمّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والاقتصادية إلى قضايا أقل أهمية، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة.

 

 

 

 

حافظ على تشتّت اهتمامات العامة، بعيدًا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، اجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة.

 

 

 

اجعل الشعب منشغلًا، منشغلًا، منشغلًا من دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات.

 

 

 

2

 

منذ فترة بعيدة نسبيًّا استطاع أحد الأشخاص عن طريق جهاز راديو دقيق ومتقدم تكنولوجيًّا، أن يلتقط مكالمة هاتفية، قيل بأن طرفيها هما الأميرة ديانا وصديق قديم لها، كانوا يتبادلان فيها عبارات الحب والغرام، سرعان ما قدم هذا الرجل التسجيل إلى إحدى الصحف واسعة الانتشار، فإذا بها تنشر أجزاء من تلك المكالمة، وتخصص خطوط هاتفية بمقابل مادي لمن يريد سماع المكالمة كاملة،

 

 

 

 

وإذا بعشرات الآلاف من الناس يحاولون سماعها مما اضطر الصحيفة لزيادة عدد الخطوط الهاتفية إلى ما يقارب 200 خط. كان المبرر الوحيد لذلك هو حق الناس في أن تعرف.

 

 

 

3

 

في التسعينيات من القرن الماضي وأثناء فترة ولاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، دارت علاقة جنسية غير شرعية، بين الرئيس كلينتون واحدى المتدربات في البيت الأبيض تدعى مونيكا ليونسكي، أثناء التحقيقات نفى كلينتون أي علاقة جنسية بينه وبين مونيكا، إلى أن قدمت فستانها الأزرق والذي كان يحوي بقعًا من السائل المنوي للرئيس.

 

 

 

 

 

 

لا شك أن شهرة الفستان وصلت عنان السماء إلى الدرجة التي جعلت مدير متحف لاس فيغاس يعرض مبلغ مليون دولار، للحصول عليه، فالفستان كما يراه، يخلد الفضيحة الجنسية الأكبر بالبيت الأبيض.

 

 

 

 

 

بعد ذلك بسنوات ومنذ ما يقارب العامين قررت مونيكا أن تنشر تفاصيل تلك الواقعة في مذكراتها، وبالفعل تسارعت دور النشر لنيل حقوق نشر تلك المذكرات، وعرضت إحداها مبلغ 12 مليون دولار، وكان مبررها  أيضًا حق الناس في أن تعلم.

 

 

 

 

 

 

 4

 

نشر منذ عدة أيام على مواقع التواصل الاجتماعي بمصر مقطع مصور لشاب يصفع فتاة على وجهها أمام المارة في إحدى المراكز التجارية، قالت الفتاة بأن الشاب تحرش بها لفظيًّا وعندما تحدثت إليه بغضب قام بضربها.

 

 

 

 

 

 

 

استضافتها بعد ذلك إحدى المذيعات تدعى ريهام سعيد، للتحدث عن الواقعة، قيل بأن الفتاة تركت هاتفها خارج أستوديو التصوير، فإذا بمن في الخارج يقومون بأخذ صورها الشخصية من الهاتف وتقوم المذيعة بعد ذلك بعرضها على الهواء مباشرة دون إذن من الفتاة، ولم يكن أيضًا مبررها في ذلك سوى حق الناس في أن تعلم.

 

 

 

 

 

5

 

يقول ماركس في عبارته الشهيرة: “إن الطبقة التي تتحكم في وسائل الإنتاج المادية تسيطر في نفس الوقت على وسائل الإنتاج الذهنية”.

 

 

 

 

 

 

قيل بعد ذلك بأن أحدهم تعجب من مقولة أننا نعيش في عصر المعلومات، بالرغم من أنه يقابل كل يوم الكثير ممن لا يعرفون أدنى شيء عن أي شيء.

 

 

 

 

6

 

قيل بأن عصر السادات كان عصر الانفتاح وحرية الرأي، كان انفتاحًا على كل شيء ولكل شيء، كان الهدف غير المعلن هو خلق طبقة اجتماعية جديدة تكون مناصرة لرأس النظام السياسي وسياسته، لم يكن من المهم كيف تتكون، فالأهم هو وجودها في أسرع وقت، لذلك لم يكن أمامهم سوى هذا الانفتاح الذي جلب معه تجار المخدرات والسلاح وأصحاب السمسرة وتهريب العملة.

 

 

 

 

 

كان أيضًا لا بد من تشكيل رأي عام يقبل وجود تلك الفئات الغريبة على الشعب المصري، فسعى هؤلاء بكل ما يملكون لشراء أصحاب الأقلام في الصحف، وأصحاب الرأي بين الناس لترويج أفكارهم.

 

 

 

 

 

مع الوقت أدرك هؤلاء بأن شراء جريدة خاصة أو قناة، أفضل بكثير من شراء الأفراد، وبالفعل اتجه جزء كبير من رجال المال والسلطة لبناء مؤسساتهم الإعلامية، التي لم يكن ليشغل مناصبها سوى القوادين والعاهرات في هذا المجال، فتلك المؤسسات لم يكن الهدف من ورائها سوى صرف الناس عن مشاكلهم الحقيقية وقضايا الفساد السياسي والاقتصادي.

 

 

 

 

 

كان لا بد من أن تحوي تلك المؤسسات أفرادًا شتى يستطيعون تحقيق الإلهاء لدى الشعب ويناسبون جميع الأذواق، فلا بد من وجود من يبرر ومن يهاجم ومن يبحث عن الفضائح لنشرها، وليس هناك مانع من خلق الفضيحة من أساسها، فالجميع يتذكر تلك المذيعة التي اتضح أنها استأجرت خمس فتيات بمبالغ مادية للحديث حول عملهم كفتيات ليل، وخلق حالة من الإثارة.

 

 

 

 

7

 

إن ما فعلته ريهام سعيد من نشر صور خاصة بفتاة دون إذنها والحديث حول سمعتها، قد يفتح الباب ليس للسؤال حول ما الهدف من نشر تلك الصور وخلق حالة من الإثارة حولها، بل يجعلنا نتساءل عن الطريقة التي تتيح للقوى الثورية التي تناضل من أجل حقوقها في أن تخلق إعلامها والذي بدوره لن يحوي العاهرات، عذرًا، لن يحوي ريهام سعيد، وحينها سيكون بالفعل من حق الناس أن تعرف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد