البحث عن عمل وشرف في بلاد مثل هذه، فعل موت. خاصة إن كانت من قبل إنسان قُدر له أن يحمل تقاسيم لجسد وصوت و نظرة لا يتم توصيفهم إلا بكلمة واحدة “عورة”. ولكنها أبت ألا توصم عائلتها بانتهاك تلك الكلمة طوال العمر. ومن أجل ذلك٬ قاومت ودافعت عن نفسها حتى قتلت من أراد اغتصابها. أبت أن تتنازل عن حقها أو تغير أقوالها. أبت ألا تكون سوى “ريحانة” ٬ العطر الذي لم يكف عن الدوران في فلك فصوله الأربعة ليروي حكايته للعالم٬ويعطره برائحة قهر لم يخجل من ذبح الجمال بيد باردة.

شتاء 2014
إلى شعلة
تسلمت (شعلة) رسالة ابنتها الأخيرة (ريحانة) حيث وصتها ألا تبكي أبدا…

فبكت الأم بحرقة متسائلة: “أهكذا تنتهي حياة طفلتي الحبيبة بعد كل ما عانته طوال السنوات السبع الماضية؟!”
ثم مسحت دموعها٬ وتذكرت حين قالت لريحانة: لا تذهبي للقاء ذلك الرجل بدوني، يجب أن أرافقك.
لتجيبها بغضب وبراءة: إلى متى ستعاملينني كطفلة يا أمي، لقد تجاوزت التاسعة عشرة؟
شعلة: سأظل أراكِ في عيني كتلك الطفلة الصغيرة في ردائها الأبيض التي كنت أحملها بشهورها الأولى٬ يا ريحانتي.
كان الحماس والحلم ينبعث من حروف ريحانة في..

ربيع 2007
حين داعبت رائحة المثلجات الممزوجة بورود الربيع أنف (ريحانة)٬ دخلت محلًا للمثلجات فرآها لأول مرة “مرتضى سارابنداي” هو وصديقه أثناء حديثها بحماس عبر هاتفها عن عملها بالديكور٬ لمحها تقدم سارابنداي نحوها وساءلها إن ما كانت بالفعل تعمل بالديكور وأجابته بفخر: نعم. عرض عليها في الحال تصميم عيادته الخاصة حيث يعمل كطبيب. وافقت ريحانة بحماس الطفلة٬ فعرض عليها الذهاب لمعاينة المكان فورا ولكنها رفضت واكتفت بإعطائه الكارت الخاص بها.

 

أمام باب المحل أثناء انتظار ريحانة لمواصلة ٬ رأت الطبيب ثانية فتوقف بسيارته وعرض أن يوصلها ولكنها رفضت مرة أخرى٬ فهى ابنة (شعلة) الكثيرة التوجيهات القلقة دائما. في طريق العودة٬ فكرت ريحانة بفرصتها الأولى لعمل خاص بها دون متابعة من شركة التصميم التي كانت تعمل بها بشكل حر خلال أوقات فراغها بجانب دراستها للكمبيوتر بالجامعة. اعتبرت ريحانة عيادة دكتور سارابندي أول خطوة على طريق حلمها. لم تكن تعلم أنها خطوة لطريق آخر نحو جدران عالية لا تحمل سوى أحلام الوحدة وحماس سجانها.

حكت ريحانة لأمها عن الرجل فطلبت (ِشعلة) منها ألا تذهب لمقابلته بدونها. رفضت ريحانة بالبداية كأي فتاة بسنها و ولكن أمها أصرت وصاحبتها لمقابلة (سارابنداي)٬ لكنه لم يأتِ! غضبت أمها منه وساءلتها ألا تذهب لرؤيته ثانية. مرت الأسابيع وأتى..

 

صيف 2007
ولكن محاولات سارابنداي لم تتوقف لترتيب لقاء آخر معها، حتى أرسل إليها برسالة نصية محددا ميعاد ” 07-07-2007 السادسة مساءً”. وبمساء جاف حار، وقفت ريحانة في معطفها الطويل وشالها المتلف حول رقبتها٬ تنتظر الطبيب حتى جاء وصحبها بسيارته إلى مكان العيادة ولم يكن معه صديقه الذي رأته بصحبته أول مرة. كانت ريحانة طوال الطريق تحلم بتصميمها الخاص الأول. توقف الرجل بطريقهم عدة مرات ليشتري بعض الأشياء حتى أنه ركن سيارته بأحد المواقف الحكومية وتعجبت ريحانة حينها “كيف يسمح لدكتور مثله أن يقف بموقف حكومي؟!”.

توقف الرجل أمام أحد البنايات وركبا المصعد معا. ما إن دخلت ريحانة المكان فوجدتها شقة خالية تماما من أي مظهر حياتي، مليئة بالتراب والغبار والأثاث القديم. جلست على كرسي بالقرب من الباب وتركت الباب مفتوحا. نظراتها كانت ممتلئة بالقلق فهي لازالت ابنة ال٬19 الطفلة الباحثة عن ذاتها ولكن بخوف وترقب اعتادته نسوة إيران. فكانت جرأتها مختلطة بالحذر وحماسها ممزوجًا بتحذيرات قلب أمها القلق دائما. بدأت ريحانة بتفقد غرف الشقة ونقل تفاصيلها إلى الورق الأبيض بيدها٬ فتفاجأت بسارابنداي يقترب منها٬ اجتاحت رجفة برد وعرق جسدها، واتجهت مسرعة نحو الباب فوجدته مغلقًا!

حاولت فتحه ولكنه شد شالها ثم جذبها بقوة من شعرها وأوقعها على الأرض ساخرا: “لن تستطيعي الآن الذهاب لأي مكان إلا بإذني”. لم يستطع صراخها أن يخرج منها تحت سطوته المرعبة٬ كانت ترى جسمه ضخمًا جدا وترى نفسها أصغر وأصغر كلما اقترب منها ولمسها. لمحت ريحانة سكينا صغيرا على منضدة٬ فدفعت سارابنداي ثم جرت نحو المطبخ وصرخت من بلكونته ولكن لم يسمعها أحد، بينما كان سارابنداي جالسًا ببرود ووحشة أمام التلفاز ٬ غير مهتم بكل ما تفعله بل و استمر في سخريته.

 

أمسكت ريحانة بالسكين و هددته إن لم يتركها ستضربه بها٬ فسخر منها ثانية واقترب منها. حينها استجمعت ريحانة كل قوى أحلامها بفستان أبيض وبيت سعيد مع شاب كان قد تقدم لأهلها وكانوا في فترة تعارفهم الأولى، بحلمها بمكتب ديكور خاص، بكل تلك الآمال رفعت ريحانة السكين وطعنته في ظهره، تناثرت الدماء في كل مكان وجرت هي نحو الباب لتفتحه بينما كان سارابنداي لازال على قيد الحياة يحاول أن يسند على الحائط، لتجد صديقه الذي رأته معه أول مرة يفتح الباب من الخارج، سألها عما حدث لكنها جريت بسرعة خوفا وهلعا.

نزلت بعض السلالم ثم ركبت المصعد ورأت صديقه يجري وبيده بعض الأوراق. هربت ريحانة مسرعة نحو بيتها ودخلت حجرتها وحاولت أن تغمض عينها وتنسى كل ما حدث بتلك الليلة. لم تكن تعلم أنها ستكون آخر ليلة لها بسريرها الدافئ على صوت وقبلات أمها العذبة…

 

 

 

خريف (2007 – 2014)

لحق بيوم 07-07-2007 ٬ سبع سنوات عجاف قضتهم ريحانة في خريف طويل. تحارب طواحين سجون إيران المعتمة، الحنين لمنزلها٬ دموع أمها أمام المحققين لتراها ولو لدقائق٬ والأهم اختبارها لما تعلمته من مبادئ كالشرف الذي زرعته بداخلها “شعلة” ٬ لتكتشتف أنها مبادئ لا تليق بذلك العالم !
معنى الشرف
القول الحق يتناثر بين الأقاويل. لم نعد نفرق بين الحق والباطل فاختلط علينا الأمر حتى تهنا وتاه العدل من بين أيدينا.

* ليلة الحادثة٬ حين اصطحب المفتش “شاملو” ومحقق آخر ريحانة من منزلها وبعدما حكت لهما ما حدث٬
– قال المحقق الآخر: لقد وجدنا بالفعل واقيًا ذكريًا بمنزل سارابنداي.
– وقال شاملو: وهذا دليل كاف لتبرئتك ٬ لا تقلقي.
ولكن بالقسم حين عرفوا بهوية القتيل٬
– كان لهم قول آخر: هل تعرفين من قمتِ بقتله؟! لقد قتلتِ ضابطًا سابقًا بالمخابرات الإيرانية.
لحظتها فقط عرفت ريحانة كيف لرجل مثله أن يركن بساحة حكومية ويا ليتها ما عرفت.
حاول المحققان الضغط عليها لتغير أقوالها لكنها رفضت حتى هددوها بأختها الصغيرة، فانهارت واعترفت خطيا بأنها اشترت السكين ولم تجده بشقة سارابنداي.

* و أصبحت الأقوال المثبتة رسميا ل..
– ريحانة: “قمت بطعن (سارابندي) بسكين كان معي بعدما حاول اغتصابي وحين غادرت كان لازال حيًا. وكان هناك رجل آخر (صديقه) بالبناية ربما هو من قام بقتله”.
وحين حاولت أسرتها إقناع أهل سارابندي بالتنازل٬ فالقانون الإيراني يسمح بالعفو من قبل أهل القتيل.
– قالوا: “إن تنازلت عن ادعائها بمحاولة الاغتصاب٬ قد نمنحها العفو”

 

ولأن الشرف عند ريحانة ٬ فعل صدق ودفاع عن النفس والتزام بالحق لم تتنازل عنه حتى وهي بأشد لحظاتها ضعفا٬ في حين كان الشرف عند أهل مغتصبها ٬ هو محاولة إقناعها لتنفي الاغتصاب حتى لا تتعكر سيرة (سارابنداي) ولا يتحدث الناس عن شرفه بسوء. لو عرف الرجال معنى الشرف عند المرأة٬ لتوقفوا عن استخدامه بمعاركهم ليسبوا بعضهم بأماكن عفة أمهاتهم وزوجاتهم. ولكن كيف لمن لا يعيشيه٬ أن يشعر به؟!. هم فقط يتحدثون عنه بالمقاهي٬ بينما ريحانة وغيرها يعيشونه ويحاربون لأجله كل يوم.

لهذا٬ التزمت ريحانة الصمت ولم تغير أقوالها. فالتزموا هم بقتل كل ما هو حي بها.

الموت للجمال
“لا مكان للجمال في هذا العالم” كما قالت ريحانة برسالتها”.
بأيامها الأولى بالقسم٬ قُصت أظفارها تماماً حتى جرح جلدها٬ ثم حبست بزنزانة انفرادية ومنعت من رؤية أسرتها لمدة طويلة. كان هناك لمبة فلورسنت بأعلى السقف ٬ جعلتها مستيقظة طوال الوقت و مضطربة حتى أنها لم تعد تميز بين الواقع والخيال ٬ أصبحت اللمبة كعدو تريد التخلص منه بأي شكل حتى كسرتها فاتخذوا من ذلك دليل إدانة على عنفها!. ثم كان الحبل الأسود الطويل وسيلتهم الأساسية طوال التحقيقات٬ فكان المحقق شاملو ومن معه ينعتونها بالكاذبة كلما روت قصته.

كرهوا الحقيقة وكلما سئموا من صدقها٬ جذبوها من الحبل يميناً وشمالا حتى تسقط على الأرض، هذا الحبل كان شعر ريحانة الأسود الجميل الذي كرهته من قلبها، رأت فيه ضعفًا كبيرًا خاصة حين تكون بصراع أمام رجل، فشدها منه بالبداية سارابنداي وهو يغتصبها وشدها منه المحققون كثيرا لتغير أقوالها حتى قررت ريحانة أن تصبح أقوى وقصت ضفيرتها المبهجة. وما إلى آخره من الاعتداء النفسي والجسدي وتعدي المحققين عليها لتبرئة “رجل الدولة” وإدانة ريحانة التي قضت سنوات شبابها بسجن “شهر ري” بنظام تدفئته المعطل لتعاني الصقيع والمرارة بجدرانه الباردة التي تصل حرارتها إلى تحت الصفر بالشتاء.

 

أنقذوها..
كانت ريحانة ببراءة ال 19 عامًا٬ على يقين أن قضاة المحكمة سيميزون التضارب بالأقوال وينصفونها٬ فصدر حكم على ريحانة بالإعدام عام 2009 !. بعدها خاضت “شعلة” حروبًا طويلة بداخل وخارج إيران لتنشر قضية طفلتها وتكسب تعاطف الرأي العام العالمي، وقالت بحوار لها بشبكة “فوكس”: “أتمنى أن يضعوا حبل المشنقة حول رقبتي ويتركوا ابنتي تعود سالمة للبيت.. أتمنى أن تعود ريحانتي للمنزل. أنا أم ولا أتصور أن هناك أما في العالم ترضى بقتل طفلتها”.

تعاطفت منظمات حقوق الإنسان الدولية كما أدانت منظمة العفو الدولية الحكم. وانتشرت القضية بوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وتصاعدت الاحتجاجات بمختلف الدول وتعالت النداءات “لا للإعدام .. أنقذوا ريحانة”. ولكن سلطات إيران لم تستمع إلا لصوت قضائها.

 

عودة لشتاء 2014
انتهى الخريف بعدما سقطت ريحانة٬ ورقة وراء ورقة. ريحانة ذات ال19 عامًا التي كانت تأكل المثلجات ٬ لم تكن لتدرك أبدا ما أدركته ابنة ال26 من العمر. وحين أدركت أنه لا أمل في القضاء وذاقت قسوة المحققين الذين وصفتهم برسائلها كطفلة بالوحوش والديناصورات حتى أنها لقبت المفتش (ِشاملو) بالسحلية الكبيرة وعاشت قصص السجينات حتى أنها قالت “الكثير من النساء حولي لم يخترن أقدراهن، فقد اخُتيرت لهن”. حين أدركت ريحانة ٬ تحررت من الجميع ٬ من تلك البلد، من السحلية شاملو ٬ من ثلج زنزانتها..

 

وفي فجر 25 أكتوبر 2014 ٬ أعدمت ريحانة. ذبلت وسقطت آخر أوراقها فوق صدرها على منصة الإعدام ب”بلد زرعت في حبها لكنها لم تبادلها الحب “. البلد التي قررت أن تدفن الشرف تحت التراب٬ فقررت صاحبته أن تحلق لتسكن جسدًا آخر لتعيد إليه الحياة بالتبرع بأعضائها، كما ذكرت بوصيتها الأخيرة لأمها.

 

عودة الريحان
ودعت العائلة طفلتهم الصغيرة بجراج منزلهم الذي امتلأ بمحبي الفتاة ثم ذهبوا لتوديعها بقبرها حيث عادت ريحانة لتعطر تراب أحب رائحتها الذكية أكثر من عالم لم يحبها أبدا في اعتقادها٬ ولكنها لم تشهد توديع ذلك العالم لها بالشموع والصور والرسائل بكل أرجائه. فقد رحلت مسرعة لأنها على موعد مع محاكمة أخرى في عالم آخر٬ لا يعرف سوى رائحة العدل.

ملحوظة: كُتب المقال استنادا إلى رسالة ريحانة الأخيرة بالإضافة إلى رسائل ريحانة الأخرى والأخبار المنشورة إلكترونيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد