نعلم أن الكثير من المؤسسات الدولية تعج بشخصيات عربية وإسلامية، وشخصيات مناصرة لقضايا الشعوب المظلومة، لكن ليست كل الشخصيات على قدر واحد من الشجاعة والتضحية بحقوقها من أجل حقوق الآخرين، والمُلاحظ أن أغلب هذه الشخصيات تبلع لسانها، وتقف متكوفة الأيدي حين يتعلق الأمر بمصالح دول كبرى؛ لأنها تعتقد أن رأيها لا يقدم ولا يؤخر.

لكن هذه الفلسفة لم ترق للإنسانة السياسية ريما خلف، ولم تسمح لها أن تنام في قلبها وعقلها، حيث قالت في رسالة الاستقالة: أرى أن واجبي تجاه الشعوب التي نعمل لها، وتجاه الأمم المتحدة، وتجاه نفسي، ألا أكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة تسبب كل هذه المعاناة لكل هذه الأعداد من البشر. وأصرت على موقفها بأن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقًا للناس فحسب، بل هو واجب عليهم.

من يقرأ الرسالة كاملة يتأكد أن الأمم المتحدة، ومنذ نشأتها، تنام في حضن القوي؛ لأنه ببساطة يُطعمها ويُسقيها، وله فيها مآرب أخرى، لذلك فإن التزام أمينها العام بما يقرره أولو العزم من الكبار يقيه سوء الخاتمة، وهذا ما أكدته ريما خلف، حين قالت: إنني أدرك أن التعليمات الواضحة للأمين العام للأمم المتحدة لا بد من أن تنفذ. وأن هذه المنظمة مهما حاولت الادعاء بأنها أم الجميع، ومستقلة، وصاحبة قرارها، فهي كاذبة، وأن هذه المنظمة تغض الطرف عن القاتل، فكم من قرارٍ صدر منها يدعم حقوق المظلومين، خاصة في فلسطين، لكنها قرارات مجاملة وليست إلزامية، تحتاج إلى قدمين كي تمشي في ميدان الواقع، ولأن هذه المنظمة يحكمها القوي تبقى جراح الضعفاء والمساكين تنتظر الطبيب، والذي يأتي متأخرًا، وإن حدث وأتى في الوقت المناسب فهو يلوم الضحية بأنها كانت السبب فيما حدث لها.

رسالة استقالة الإنسانة السياسية ريما خلف مديرة مؤسسة الإسكوا، لم تأت بسبب خلل علمي أو مهني، بل لأنها رفضت سحب التقرير الذي نشرته على موقع اللجنة بعنوان: الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الأبارتايد؛ لانه يتحدث عن نظام فصل عنصري، أبارتايد، ما زال قائمًا في القرن الحادي والعشرين، وهذا أكدته ريما خلف، حيث قالت بصراحة: في فترة لا تتجاوز الشهرين، وجهت لي تعليمات بسحب تقريرين أصدرتهما الإسكوا، لا لشوائبَ تعيب المضمون، بل بسبب الضغوطات السياسية لدول مسؤولة عن انتهاكات صارخة لحقوق شعوب المنطقة ولحقوق الإنسان عمومًا.

ريما خلف التمست العذر لأمين عام الأمم المتحدة: أدرك أن التعليمات الواضحة للأمين العام للأمم المتحدة لابد من أن تنفذ. لكنها تبرأ من المشاركة: أجد نفسي غير قابلة للخضوع إلى هذه الضغوط.

صحيح أن ريما خلف لم يتبق لها في عملها إلا فترة بسيطة تقدر بأسبوعين، وكان بإمكانها أن تقضي هذه الفترة دون وجع رأس، لكن الذي يتمتع بضمير حي يرفض النوم في حضن الامتيازات على حساب المبادئ.

ما فعلته ريما خلف يؤكد أن الرجل ليس هو الذكر الذي يمتاز بضخامة جسمه أو قوة عضلاته أو طوله، بل إن الرجولة هي مواقف يتبناها الإنسان المؤمن بعدالة قضيته، مهما كان كبيرًا وصغيرًا رجلًا أو إمرأة. بقى أن نضيف أن الذي أعد التقرير هو ريتشارد فولك، اليهودي الأمريكي، وهذا يؤكد ما جاء به القرآن الكريم أن أهل الكتاب ليسوا سواء.

ريما خلف هي إنسانة صاحبة مبدأ ولدت في الأردن عام 1953 اقتصادية وسياسية، حصلة على شهادة البكالويوس في الاقتصاد من الجامعة الأمريكية في بيروت، وعلى الماجستير والدكتوراة في علم الأنظمة من جامعة بورتلاند الرسمية بأمريكا، شغلت عدة مناصب داخل وخارج الأردن؛ حتى وصلت إلى المنصب الذي استقالت منه مؤخرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد