توقفت في الجزء السابق عند مسألة البحث عن شخصية تاريخية يكون لها صدى في الأوساط الشعبية الجزائرية لكي تكون واجهة لقيادة الأركان الطرف المنتصر آنذاك، هذا دليل على طموح كبير في القيادة طموحات شخصية كادت تؤدي إلى كارثة بظهور تكتلات كلها تطمح إلى السلطة والظفر بالقيادة طبعًا بعد الاستقلال.

مشكلة القيادة هذه طرحت بعد استشهاد بن مهيدي وعبان رمضان حيث تحولت الصورة التي دعا إليها عبان في مؤتمر الصومام حيث انقلبت من أولوية السياسي على العسكري بل العسكري على السياسي بعد استشهاد القائدين انتقلت القيادة إلى الثلاثة بوصوف، بلقاسم، وبن طوبال بالموازاة مع وجود الحكومة المؤقتة التي أسست في 19 سبتمبر 1958 بقيادة فرحات عباس، هذه المرحلة في التاريخ الجزائري عامة وتاريخ الثورة خاصة مرحلة جد حرجة لأنها حددت ملامح السلطة الجزائرية، مشكلة القيادة هي مشكلة كل الثورات في العالم، القديمة التي كانت بالسيوف والرماح والجديدة منها بالدبابات والمدافع لكن الشيء المميز في الثورة الجزائرية هو ظهور موجات قيادية من الفترة إلى الأخرى انطلقت بقيادة جبهة التحرير المؤسسة والمفجرة للثورة وبعد سنتين قيادة انبثقت عن مؤتمر الصومام هذه القيادة تتكون من اثنين من بقايا الستة هما العربي بن مهدي وكريم بلقاسم، بالإضافة لعبان رمضان وسعد دحلب وبن يوسف بن خدة وبعد استشهاد كل من بن مهيدي وعبان ظهور قيادة أخرى مكونة من كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف ولخضر بن طوبال الملقبين بالباءات الثلاثة كانوا في ذلك الوقت رجالًا بسمعة واسعة ونفوذ واسع وإحكام كلي على مصادر القرار على مستوى القيادة ما دام بتخطي بعض التفاصيل لغياب المعطيات الكافية وغياب أي دليل رسمي أو اعتراف رسمي يحلل حقيقة ما حدث إبان تلك الفترة الحرجة جدًا في نظر الكثير من الباحثين في التاريخ.

نتوقف عند إرسال الهواري بومدين (محمد بوخروبة) قائد الأركان إلى القادة الخمسة الذين لا يزالون في السجن في طلب منه لأن يتولى واحد منهم رئاسة الدولة بعد الاستقلال لما لهم من سمعة تاريخية كبيرة لم يكن يملكها بومدين آنذاك، وكما هو معروف رفض آيت أحمد وبوضياف وقبل بن بلة ليكون مع جماعة بومدين في مساندة منه لطرف على آخر في صراع التكتلات السياسية والعسكرية التي تسعى كلها إلى القيادة بعيدًا عن أي تمجيد مني للأشخاص أو جهات معينة ندع الحكم للتاريخ وحده ونتجه نحو التحديات التي واجهت السلطة الجزائرية بعد إزاحة صخرة الاستعمار الدامي المدمر.

من أبرز التحديات التي واجهتها الجزائر في مرحلة ما بعد جلاء المستعمر هي غياب إطارات الدولة الحقيقية التي هي الحل الوحيد لقيادة البلاد نحو بر النجاة. جهل مستشرٍ بالإضافة إلى خزينة مدمرة لكن الصعوبات الحقيقية كانت سياسية أكثر منها اقتصادية واجتماعية.

ها هي اللحظة المنتظرة استقلال بعد قرن و32 سنة من التهميش والمسخ السياسي والاجتماعي وطمس للهوية الآن في غياب إطارات الدولة لجأت السلطات الجزائرية إلى استيراد كتب ومناهج عربية من دول عربية، وكان الاهتمام باللغة العربية اهتمامًا طفيفًا جدًا بعدما أمر الرئيس بن بلة بتدريسها إلى جانب الشريعة الإسلامية لكنها لم تطبق لغياب مناهج أصلًا تطبق عليها هذه الأوامر. 9 ملايين جزائري الغالبية الساحقة لا تكتب ولا تقرأ، معلمون يعدون على الأصابع في الحديث عن المعلمين هناك حادثة غيرت مسار التاريخ الاقتصادي والسياسي في الجزائر وهي تأميم المحروقات في 24 فبراير 1971م بعدما كانت تستغله فرنسا انجر عن هذا الحدث المهم مجموعة إجراءات وإملاءات أطلقتها فرنسا بسحب جميع كوادرها من الجزائر من فنيين وتقنيين ومهندسين في القواعد النفطية في الصحراء الجزائرية إلا أنها لم تسحب ولو معلمًا واحدًا في خطوة جد ذكية من الدوائر الاستعمارية السابقة. وبقيت إشكالية التعليم قائمة إلى اليوم في انتظار حسم نهائي طال أمده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد