إن الثورة الجزائرية كانت خير مثال لشعوب العالم في مجال التحرر، حيث كانت ثورة من نوع خاص حرب الحفاظ على الهوية أكثر منها حرب رصاص وبنادق، انبثقت عن مسار طويل من النضال السياسي في إطار الحركة الوطنية حيث كانت الحركة الوطنية تتمتع بفسيفساء في التيارات الفكرية والسياسية منها من هو دعاة الإدماج ودعاة الإصلاح والتيار الوطني الاستقلالي حيث كانت تمتلك صفة سياسية وصفة فكرية فمثلًا جمعية العلماء المسلمين كانت في الحركة الوطنية أهدافها إصلاحية سياسية بصبغة دينية لمواجهة آلة المسخ والتغريب الممنهج من طرف الدوائر الفرنسية.

هذا تقديم للمرحلة التي سبقت ثورة الشعب وبهذا نكون قد مهدنا للمرحلة الأهم من 132 سنة من محو الهوية الوطنية. الجزائر كغيرها من الدول العربية مرت بمرحلة احتلال من طرف فرنسا كجارتيها المغرب وتونس وأيضًا سوريا ولبنان، لكن الاحتلال الفرنسي في الجزائر كان على نمط جد خطير وفي شكل من أشكال ذبح الشعب عقائديًا وفكريًا فرنسا في الدول سابقة الذكر قتلت شردت عذبت، لكن لم تمسس بالمساجد ودور القرآن الكريم فجامع الزيتونة بتونس كان يخرج كوادره المتشبعة بالهوية الوطنية الإسلامية ونفس الأمر أيضًا بالنسبة للمغرب، إلا أن في الجزائر فرنسا جعلت من المساجد والكتاتيب وبيوت القرآن إسطبلات لخيولهم وثكنات عسكرية لجنودهم، عملت فرنسا على طول المدة قبل اندلاع الثورة على أن تبقي الشعب الجزائري جاهلًا وأصرت على ذلك ولم تفتح المدارس إلا بعد اندلاع الثورة بسنة أو سنتين وكانت هذه إحدى استراتيجيات إلهاء الشعب وعزله عن الثورة وإبعاده عن هدفه الحقيقي وهو التحرر النهائي والتام من هذا البلاء الذي أطبق على صدورهم.

كانت الثورة بسلبياتها وإيجابياتها خلاصًا ومنفذًا وحيدًا للشعب بعد نضال طويل في مجال السياسة، فلما طغت حروب الزعامات والولاءات كان لابد من تغيير شكل المقاومة من سياسية إلى مسلحة بشقين شق السلاح والحفاظ على الكرامة وشق آخر وهو الأهم هو شق الإصلاح والحفاظ على الهوية وعدم الحياد عن المبدأ وذلك بصياغتها بعبارات واضحة في بيان أول نوفمبر (تشرين الثاني) الذي صاغته جبهة التحرير كبداية للثورة.

بعد مرور سنتين من انطلاق الثورة أي سنة 1956 دعت قيادة الجبهة لعدة أسباب منها الإجرام الفرنسي الذي تزايد والحاجة الماسة إلى التقييم والتخطيط والخروج بقرارات من شأنها توحيد القيادة وإعطاء نفس جديد للثورة، انقسمت الآراء حول هذا المؤتمر ودوره في الثورة، فهناك من يقول إنه كان طعنة في ظهر الثورة لما له من انعكسات على مسارها، وخاصة بعد غياب المنطقة التاريخية الأولى التي تعتبر أم الثورة ومنبعها الأصلي أن هاته الفترة من الثورة الجزائرية ومرحلة الغزو الفرنسي ككل هي مرحلة جد حرجة؛ نظرًا للأحداث الدامية التي كادت تعصف بمستقبل شعب وبلد بأكمله حيث ظهرت تكتلات منها سياسية تابعة للقيادة الجديدة المنبثقة عن مؤتمر الصومام وقيادة الاركان المحسوبة كتكتل عسكري الذي فاز فيما بعد بالقيادة السياسية للبلد كي لا نسبق الاحداث ونعطي كل مرحلة حقها من التوضيح الحقيقي خاصة بعد التمهيد المطول لوضع القارئ الكريم في الإطار الزماني والمكاني الحقيقيين.

سعى كل طرف إلى كسب ثقة شعبية، وخاصة طرف قيادة الأركان حيث كان في تلك الفترة قائده والعنصر البارز فيه هواري بومدين لا يزال مجهول الشعب فانطلق في البحث عن واجهة تاريخية له فقصد الزعماء الخمسة في السجن بفرنسا حيث كان يريد محمد بوضياف أو آيت أحمد نظرًا لمسارهما وسمعتهما التاريخية في أواسط المجتمع الجزائري … يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك