قبل أعوام قليلة ما كانت مدينة الرقة السورية معروفة لدى معظم دول العالم، وحتى لدى بعض دول جوار سوريا،لكنها الآن باتت الماركة المسجلة باسم تنظيم الدولة (داعش)، فمنذ دخول هذا التنظيم مدينة الرقة تغيّرت معها سياسات الدول وتحالفاتها، بل خلطت الأوراق في دول العالم أجمع، بدايةً من تشكيل التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مرورًا بدخول روسيا على خط الحرب في سوريا، وليس انتهاءً بدخول تركيا إلى جرابلس السورية، عبر قوات درع الفرات، وإذا كانت مدينة الرقة التي أعلنتها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عاصمة للخلافة الإسلامية المزعومة في بلاد الشام والعراق قد خلطت الأوراق في معظم دول العالم، فهي في الوقت نفسه خلطت وعقّدت الأمور كثيرًا في الداخل السوري، فالجيش السوري الحر ما لبث أن اصطدم مع التنظيم في أكثر من معركة، كما أن وحدات حماية الشعب YPG والمنضوية ضمن قوات سوريا الديمقراطية QSD أصبحت العدو الأقرب جغرافيًا لتنظيم داعش، ولم يبق سوى نظام بشار الأسد الوحيد الذي لم يصطدم مع هذا التنظيم، لو استثنينا ما حصل في تدمر من خسارة التنظيم أمام القوة الجوية الروسية، وسيطرة النظام السوري هناك، ثم عودة التنظيم من جديد للسيطرة على المدينة.

وإذا أخذنا بشيءٍ من التفصيل الحرب على التنظيم في سوريا؛ فيمكننا رسم ملامح هذه الحرب بشكلٍ واضح، فمن جهة يسعى التحالف الدولي إلى القضاء على التنظيم في عقر داره، وعاصمته الرّقة عبر قوات سوريا الديمقراطية التي تتكون معظمها من وحدات حماية الشعب فقدمت واشنطن السلاح والعتاد اللازم لهذه القوات كما أرسلت قرابة 500 مستشارًا عسكريًا على الأرض، واستفادت كثيرًا من عنوان مكافحة الإرهاب عبر بناء قواعد عسكرية في مدينة الرميلان شمال شرق سوريا ومدينة كوباني في الشمال السوري، وينطبق هذا الكلام على روسيا التي دخلت سوريا وتوسّعت في قاعدة حميميم باللاذقية وأرسلت منظومة الصواريخ المتطورة (إس 300) و(إس 400) إلى سوريا، كما وقعت اتفاقية مع بشار الأسد على وجود دائم لقاعدة روسية في سوريا، وبالحديث عن اللاعبين المستفيدين من وجود تنظيم داعش يجب أن لا ننسى الدور الإيراني البارز الذي جعل من سوريا قِبلةً لكافة الميليشات الشيعية، من حزب الله اللبناني إلى لواء أبي فضل العباس في العراق، وحتى الحرس الثوري الإيراني المتمثل في قائد هذا الحرس الجنرال قاسم سليماني، الذي يعتبر المخطط والمهندس الأبرز لسياسات إيران التوسعية الطائفية.

ولعلّ اللاعب الأخير الذي جاء في الوقت الضائع على الساحة السورية هو الدولة التركية التي استفاقت من غيبوبتها، وأبت إلّا أن تحصل على حصتها من الكعكة السورية فدخلت جرابلس، وامتدت نحو الباب لتستفيد أيضًا من منطقة آمنة داخل سوريا، وتقضي على طموحات الأكراد في إنشاء كيان متصل بين كوباني وعفرين، خاصةً أن وحدات حماية الشعب هي الأخرى قد أصبحت رقمًا صعبًا في المعادلة السورية عبر محاربتها لتنظيم داعش، وبذلك تكون قد استفادت بدورها من هذه الحرب لتفرض نفسها واقعًا ميدانيًا وحليفًا محليًا للولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل وجود كل هذه القوى على الأرض لم نغفل الشعب السوري، بل تركنا الحديث عنه إلى هذه النقطة، حيث أصبح هذا الشعب الخاسر الأكبر من كل ما يحصل، فتنظيم داعش جعل مسار الثورة السورية يخرج عن السكة من حيث إعطاء ذرائع للنظام السوري للإدعاء بأنه يحارب الإرهاب، وبالتالي كل من يقف في وجهه هو إرهابي، وبذلك تم إحراق حلب كُلّها لإشعال شمعة الإرهاب، لكن ما يبعث على التساؤل هو كيفية تسيير الأمور على الأرض وكيف لكل تلك القوى أن تفشل في إنهاء تنظيم داعش؟

وهنا يكمن اللغز لأن معظم القوى ليست لديها المصلحة، ولا الإرادة، في إنهاء وجود التنظيم، وكل دولة ترتب أوراقها حسب المتغيرات، وبدت ملامح هذه الترتيبات واضحة، فالروس جعلوا من الساحل السوري مناطق نفوذ لهم في حين تبقى دمشق وحلب مناطق نفوذ إيرانية.أما الشمال السوري فمنقسمٌ بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا من جهة، وبين شريط للفصائل المسلحة التابعة للجيش الحر المدعوم تركيًا ليبقى الطريق إلى الرقة سالكًا بصعوبة، فكل القوى المذكورة تتخاصم فيما بينها بسبب تضارب المصالح، وهنا يبرز الدور الأكبر للقوى والدول الكبرى في الملعب، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ولعل هندسة الطريق المؤدية إلى الرقة تقع على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية التي وزّعت الأدوار ولعب دور شرطي المرور في تسيير القوى على طريق الرقة، فمحاصرة المدينة أوكلت مهمتها لقوات سوريا الديمقراطية أما مهمة دخول المدينة، فأوكلت إلى القوات التركية والسيطرة على المدينة بعد تحريرها سيكون للجيش الحر المدعوم من تركيا والمتمثلة بقوات درع الفرات.

فيما تبقى روسيا وإيران والنظام السوري في مقاعد الاحتياط؛ ليبقى بعد ذلك كل فريق في ملعبه، ويتم بذلك فرض أمر واقع لملامح سوريا المستقبل حيث النظام اللامركزي أو نظام الإدارات المحلية، كي لا نبالغ ونقول ملامح تقسيم سوريا، لأن كل ما ذكرناه هي وقائع على الأرض أكثر منها تحليل للأمور، وتأخر معركة الرقة بهذا الشكل المريب يدفعنا للقول بأن من يدير كل هذه الأمور ينتظر كل الدول المنخرطة في المعركة القبول بدورها وحصتها الأكثر والأقل ولعل الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب قد تتسرع من وتيرة المعركة النهائية عبر تفاهمات إستراتيجية مع الحليف الروسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد