محمد أبو وردة
محمد أبو وردةكاتب

لقد انتهت الحرب، وصمت صوت الرصاص، وعقدت الهدن والاتفاقيات، وتراضى من رأى وأيقن أن السلاح ليس الحل، بل العلم وإعمال العقل، من انتبه ووجه نظره نحو الشعب. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وضرب اليابان استسلمت اليابان عسكريًّا فقط. ومع انتهاء حياة هتلر التي ما زالت شغل العرب الشاغل هل مات انتحارًا أم غير ذلك، مع أن الألمان لا يعنيهم هذا، المهم مات القائد المسيطر المستبد، رغم ازدهار ألمانيا في عصره.

المهم هنا من سيسبق ويقود العالم ويزخمه بالفكرة والاختراع تلو الاختراع، لقد خيبت آمال كثير ممن قالوا إن اليابان وغيرها ممن نهض انتهت، لم تنته بل استفاقت وأعطت اهتمامًا كبيرًا لبواكير الطفولة، وأصبحت أقوى الدول من حيث الصناعة، كذلك ألمانيا أتت بكل من لديه القدرة على تطوير البلد من أتراك وعرب وغيرهم كي تنهض من جديد؛ كي تفتح دفاتر علمائها السابقين الذين احتوت دفاترهم على ما هو خير وقوة علم لإحياء البلد.

أما العرب، فقد فتحوا دفاتر الخزي والعار، وأصبحوا يبكون ويتباكون على كل إنسان دمر البلد وعاشوا على الأحلام، ليت ومتى وأين فقط. غزتهم كل شرور العالم ولم يردعوها كما يجب، بل استقبلوها بجهل وغرابة، كأن الذي يأتينا من الغرب هو أسطورة منتظرة. فعلوا كما فعل شعب أمريكا اللاتينية عندما أتاهم «جيمس كوك»، أزرق العينين أصفر الشعر يضع يديه في جيب بنطاله فتختفي، يا للعجب! فاعتقدوا أنه المخلص، كما تقول أساطيرهم الواهية، ولكن بعد استفاقة النوم العميق قتلوه.

ولكن متى ستقتل العرب كهنتها، وتكسر تماثيلها لكي نستفيق، إن من عجائب وغرائب الأمور أن العالم يسير في اتجاه مختلف تمامًا عما نسير نحن فيه، لو نظرنا إلى الشعب الروسي الذي يعد من الشعوب الفقيرة، وهو من يحاول هذه الأيام أن يظهر الفاشية ويسود العالم بها، نسي «لينين»، ولكن العرب لم ينسوه، وما زال كثير منهم يحتفظ بأفكار لينين وغيره من محرفي الماركسية، وهنا لا أعني أن الماركسية منهج سليم.

هل حاول أحد أن ينظر أو يجتهد ويسأل، كيف نهض الغرب؟ أو إذا كانت هناك وصفات أو نماذج يمكن اتباعها لكي نستفيق ونتعافى من سباتنا، أعتقد أننا لا ندري أننا في نوم عميق، وأننا ننتظر المخلص، ربما يكون الموت. مثال: بعد الثورة الفرنسية تغيرت فرنسا وتغيرت أوروبا معها، رغم ما تخللها من حروب وأيضًا، لا أريد أن أذكر أن روسيا نهضت للأفضل بعد سقوط حكم القياصرة؛ لأن نهضتها أتت بحكم ومنهج تمزيق آخر، النقطة هنا أننا العرب تمزقنا أكثر وأكثر بعد الثورات، هل لأننا نريد أن نقوم بالثورة فقط ولا نغير، أم أنه تدخل مرحب به من الغرب.

أم حاول أشخاص وفشلوا، لا لم يحدث هذا؛ بل قمنا بفرض الأحزاب السياسية ومقاتلة أنفسنا، واعتناق المواطنة بشكل جنوني وغريب، وقبول كل ما يأتي من أفكار غريبة، حتى أصبحنا عبارة عن مساحة ذاكرة فقط لاستقبال الأفكار الغريبة والتغني والمناداة بها.

الغريب أننا من أكثر المنادين بالحرية، ونستهلك طاقاتنا للترحيب بالعلمانية والدعوة إليها من كثير ممن يعتبرون أنفسهم رموزًا، ومن المؤكد أنهم لم يستطيعوا النهوض بأنفسهم أولاً، بدأنا معًا، ولكن عندما استبقنا تنحينا وأصبحنا متفرجين، غير مكترثين للمؤامرات أو الاستعمار أو المستشرقين، فهم رحالة باحثون عن خيرات بلادنا ومواردهم، أرادوا هدم التراث ولعملهم فعلوا، كما يقول سارتر الرحالة غزاة ناعمون، ما هي إلا استفاقة، والتوقف عن المتاجرة بعضنا ببعض.

غرابة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك