منذ الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011م، والاقتصاد المصري يعاني أكثر من ذي قبل، وحتى وقتنا هذا، والاقتصاد المصري يزداد تدهورًا يومًا بعد يوم، خاصة في ظل الحكومة الحالية برئاسة المهندس «شريف إسماعيل»، والتي اتخذت مجموعة من القرارات العشوائية غير المدروسة، أدت إلى مزيد من التدهور الاقتصادي، والذي انعكس بدوره على حياة المواطنين، ليعيشوا حالة من المعاناة لم يعيشوها من قبل، بسبب ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات، وعدم توافر فرص عمل.

وعلى هامش هذه المعاناة التي يعيشها المواطن المصري، انقسم السادة المتخصصين والخبراء في تشخيص وتحليل الحالة الاقتصادية التي يعيشها المجتمع المصري؛ ما بين مؤيد متفائل بما يتم من مشروعات قومية، وسياسات إصلاحية، لم يشعر بها المواطن حتى الآن، وبين معارض متشائم بمستقبل الوطن في ظل الحكم الحالي. وبين هذا وذاك مواطن تزداد معاناته يومًا بعد يوم. فى ظل هذه الحالة غابت الحيادية، وغاب معها التشخيص الواقعي للحالة التي آل إليها الوضع الاقتصادي في البلاد.

ولأني كمواطن من ناحية، وكمتخصص في الاقتصاد من ناحيةٍ أخرى، فإنني مَعْنيٌ ومسؤول عن محاولة التوصل لحقيقة الوصف والتشخيص لما عليه الاقتصاد المصري، واقتراح ما أراه من سياسات وإجراءات تصلُح علاجًا لذلك الوضع. ورغبة مني في عدم تصنيف ما أكتبه تبعاً لأحد الفريقين سالفي الذكر، ومحاولةً للابتعاد قدر الإمكان عن أي تحيزات أو أفكار مُسبقة، يُمكن أن يتأثر بها تحليلي وتوصيفي، فإني سلكتُ منْحًا مختلفًا، حاولت فيه أن أغوص في أعماق التاريخ، لاستحضار ما مرت به مصر من أزمات ومجاعات وارتفاع في الأسعار، وذلك من خلال أحد كتب التراث، التي تناولت تاريخ المجاعات التي نزلت بمصر منذ أقدم العصور إلى سنة 808ه– 1406م؛ وهو كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، والذي ألفه المقريزي عام 808هــ. فيما يلي نتناول بشئ من التفصيل نبذة عن المُؤلف، والكتاب، وتحليله الاقتصادي لما عاصره من حالة اقتصادية شهدتها مصر من سنة 796هــ إلى سنة 808هــ (1394- 1406م )، أرى أنها تتشابه مع ما تمر به مصر الآن.

نبذة عن المؤلف

مؤلف كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» هو «أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم»، ويُكنى بـ«تقي الدين المقريزي»، نسبة إلى «مقريز»، وهي حارة في بعلبك بلبنان، عاش بها والده قبل أن ينتقل إلى مصر، ويعيش فيها، في حارة «برجوان» بالجمالية؛ حيث وُلد المقريزي عام 766هـــ – 1365م. ولم يكن والده من سعة الحال، بما يمكنه من العناية به وتعليمه؛ فكفل نشأته وتعليمه جده لأمه، «شمس الدين بن الصائغ»، وكان من كبار فقهاء المذهب الحنفي ومحدثيه. عكف المقريزي على قراءة كتب الأدب والتاريخ والتقاويم، وقد بلغ مرتبة في العلم عالية، وتدرج في الوظائف الحكومية إلى أن عُين إمامًا لجامع الحاكم. وتقلد وظيفة محتسب بالقاهرة والوجه البحري، واختلط بالتجار والصناع وأرباب الحرف، وفي أثناء مزاولته لهذه الوظيفة تزوج وأنجب بنتًا لم تتجاوز سن السادسة حتى توفيت بالطاعون الذي اجتاح البلاد سنة 806هـ-1404م، ولكنه لم يلبث أن ضاق بهذه الوظيفة، وما يتحمله من أعباء ومسؤوليات، صرفته عن العلم، فتركها وعاد مدرسًا للحديث بالمدرستين الإقبالية والأشرفية في دمشق، ثم عاد للقاهرة، ومنها إلى مكة، إلى أن استقر في القاهرة بحي الجمالية؛ ليعيش بقية أيامه في حارة برجوان، إلى أن توفى سنة 845هـ-1441م، لكن أفكاره ومؤلفاته خلدت أسمه، ومن أشهر وأهم مؤلفاته:

  • البيان والإعراب فيمن دخل مصر من الأعراب.
  • إمتاع الأسماع بما لرسول من الأبناء والحفدة والإخوان والأتباع.
  • عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط.
  • المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ويعرف بخطط المقريزي.
  • اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء.
  • السلوك بمعرفة دول الملوك.
  • شذور العقود في ذكر النقود.
  • درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة.

نبذة عن الكتاب

كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» كتبه المقريزي عام 808هـ، وقام على نشره كلٌ من: «محمد مصطفى زيادة» أستاذ مساعد بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، و«جمال الدين محمد الشيال» مدرس التاريخ بمدرسة العريش الابتدائية الأميرية، وكان ذلك في عام 1358هــ – 1940م، وذلك اعتمادًا على ثلاث نسخ مخطوطة هي:-

  • نسخه بمكتبة ولي الدين بجامع بايزيد باسطنبول، وتاريخ كتابتها 1101هــ.
  • نسخة دار الكتب المصرية.
  • نسخة مكتبة الجامعة بكامبردج بانجلترا، وتاريخ كتابتها 1112هــ.

والكتاب عبارة عن 86 صفحة، ويتكون من مقدمة وسبعة فصول؛ وهي على النحول التالي:-

  • فصل في ذكر مقدمة حكمية تشتمل على قاعدة كلية.
  • فصل في ذكر إيراد ما حلّ بمصر من الغلوات وحكايات من أنباء تلك السنوات.
  • فصل في بيان الأسباب التي نشأت عنها هذه المحن التي نحن فيها حتى استمرت طول هذه الأزمان التي دُفعنا إليها.
  • فصل في ذكر أقسام الناس وأصنافهم وبيان جمل من أحوالهم وأوصافهم.
  • فصل في ذكر نبذ من أسعار هذا الزمن وإيراد طرف من أخبار هذه المحن.
  • فصل فيما يزيل عن العباد هذا الداء ويقوم لمرض الزمان مقام الدواء.
  • فصل في بيان محاسن هذا التدبير العائد نفعه على الجمّ الغفير.

تحليل المقريزي للمجاعات أو الغلاء في مصر

استهل المقريزي كتابه بمقدمة حمد فيها الله، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، بين حال الناس واعتقادهم بأن ما بهم من بلاء، لم يكن فيما مضى مثله، ولا مر في زمن شبهها، وذكر أيضًا سبب تأليفه لهذا الكتاب؛ حيث قال ما نصه «وبعد فإنه لما طال أمد هذا البلاء المبين، وحل فيه بالخلق أنواع العذاب المهين، ظن كثير من الناس أن هذه المحن لم يكن فيما مضى مثلها، ولا مر في زمن شبهها؛ وتجاوزوا الحد فقالوا لا يمكن زوالها، ولا يكون أبدًا عن الخلق انفصالها؛ وذلك أنهم قوم لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون، ومع العوائد واقفون، ومن روح الله آيسون. ومن تأمل هذا الحادث من بدايته إلى نهايته، وعرفه منأوله إلى غايته، علم أن ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد».

ثم تناول المقريزي فصل بعنوان «فصل في ذكر مقدمة حكمية تشتمل على قاعدة كلية»، ملخصه أنه ليس من رأى كمن سمع؛ حيث ظن الناس الذين عايشوا بأنفسهم البلاء المُبين التي مرت به مصر آنذاك، أنه لم يحدث من قبل، ولن يحدث في المستقبل، وبرر المقريزي ذلك بقوله «… مقاساة اليسير من الشدة أشق على النفس من تذكر الكثير مما سلف منها…».

وفي فصل بعنوان «فصل في إيراد ما حلّ بمصر من الغلوات وحكايات يسيره من أنباء تلك السنوات»؛ حيث سرد فيه تاريخ المجاعات التي مرت بها مصر منذ عصر سيدنا نوح إلى سنة 808هــــ – 1406م؛ فذكر أن أول غلاء وقع بمصر كان في زمن الملك السابع عشر من ملوك مصر قبل طوفان نوح عليه الصلاة والسلام، وكان سبب الغلاء هو ارتفاع الأمطار وقلة ماء النيل، واختتم هذا الفصل بذكر الغلاء الذي وقع في أيام الأشرف شعبان، وكان سببه قصور النيل، وذلك سنة 776هـــــــ – 1375م.

ثم انتقل المقريزي إلى بيان الأسباب التي نشأت عنها هذه المحن والغلوات التي ذكرها في الفصل السابق؛ وخصص لها فصل بعنوان «فصل في بيان الأسباب التى نشأت عنها هذه المحن التي نحن فيها حتى استمرّت طول هذه الأزمان التي دُفِعنا إليها»؛ حيث ذكر المقريزي في هذا الفصل أن أسباب الغلاء الذي مرت به مصر ثلاثة أشياء لا رابع لها، هي:

السبب الأول: وهو أصل الفساد؛ هو تولي المناصب القيادية عن طريق الرشوة والمحسوبية، وهو ما يترتب عليه تولى غير الأكفاء وغير المتخصصين المسئوليات والأعمال المختلفة؛ حيث ذكر المقريزي ما نصه «السبب الأول، وهو أصل هذا الفساد، ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة، كالوزارة والقضاء ونيابة الأقاليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال، بحيث لا يمكن التوصّل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل. فتخطى لأجل ذلك كلّ جاهل ومفسد وظالم وباغٍ إلى ما لم يكن يؤمله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة، لتوصّلِه بأحد حواشي السلطان، ووعدِه بمال للسلطان على ما يريده من الأعمال؛ فلم يكن بأسرع من تقلّده ذلك العمل وتسليمه إياه، وليس معه مما وَعَد به شىء قلَّ ولا جلَّ، ولا يجد سبيلا إلى أداء ما وَعَد به، إلا باستدانته بنحو النصف مما وعد به، مع ما يحتاج إليه من شارة وزىّ وخيول وخدم وغيره؛ فتتضاعف من أجل ذلك عليه الديون، ويلازمه أربابها.

السبب الثاني: غلاء الأطيان؛ وذكر المقريزي أن سبب ذلك هو أن هذه الأطيان في ملكية الأمراء، ولكي يتقرب الخدم والعمال التابعين لهؤلاء الأمراء، فإنهم يرفعون أجر هذه الأطيان على الفلاحين، وهو ما ترتب عليه ارتفاع أسعار المحاصيل من قمح وغيره، والتي هي محتكرة من قِبل رجال الأعمال والعسكر، وهو ما أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار، فتشرد الفلاحين في البلاد ومات أكثرهم. وذكر المقريزي ذلك من خلال ما نص عليه في كتابه بقوله «السبب الثاني غلاء الأطيان: وذلك أن قومًا ترقّوا في خدم الأمراء يتولفون إليهم بما جبوا من الأموال إلى أن استولوا على أحوالهم، فأحبوا مزيد القربة منهم، ولا وسيلة أقرب إليهم من المال، فتعدّوا إلى الأراضي الجارية في إقطاعات الأمراء، وأحضروا مستأجريها من الفلاحين، وزادوا في مقادير الأجر. فثقلت لذلك متحصّلات مواليهم من الأمراء، فاتخذوا ذلك يدًا يمنون بها إليهم، ونعمة يعدونها إذا شاءوا عليهم. فجعلوا الزيادة ديدنهم كل عام، حتى بلغ الفدان لهذا العهد نحوًا من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث. لا جرم أنه لما تضاعفت أجرة الفدان من الطين إلى ما ذكرنا، وبلغت قيمة الأردب من القمح المحتاج إلى بذره ما تقدم ذكره، وتزايدت كلفة الحرث والبذر والحصاد وغيره، وعظمت نكاية الولاة والعمال، واشتدت وطأتهم على أهل الفلح، وكثرت المغارم في عمل الجسور وغيرها، وكانت الغلة التي تتحصل من ذلك عظيمة القدر زائدة الثمن على أرباب الزراعة، سيما في الأرض منذ كثرت هذه المظالم منعت الأرض زكاتها، ولم تؤت ما عهد من أكلها؛ والخسارة يأباها كل واحد طبعًا. ولا يأتيها طوعًا. ومع أن الغلال معظمها لأهل الدولة أولي الجاه وأرباب السيوف، الذين تزايدت في اللذات رغبتهم، وعظمت في احتجار أسباب الرفه نهمتهم، استمر السعر مرتفعًا لا يكاد يرجى انحطاطه؛ فخرب بما ذكرنا معظم القرى، وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة. فقلت الغلال وغيرها مما تخرجه الأرض، لموت أكثر الفلاحين وتشردهم في البلاد من شدة السنين وهلاك الدواب، ولعجز الكثير من أرباب الأراضي عن ازدراعها لغلو البذر وقلة المزارعين. وقد أشرف الإقليم لأجل هذا الذي قلنا على البوار والدمار، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا».

السبب الثالث: رواج الفلوس، واختفاء التعامل بالدينار والدرهم، وذلك أن الفلوس تكون في مقابل السلع أو الخدمات الصغيرة التي تقل قيمتها عن درهم، ويرى المقريزي أن الفلوس ليست نقدًا، وإنما لجأ إليها الناس لحاجتهم لها، وقد زاد سكها على حساب الدراهم والدنانير، ومضمون ما ذكره المقريزي أن هذه الفلوس لم يكن يقابها غطاء، سواء من الذهب أو الفضة، ولم تكن في مقابل إنتاج، وهو ما ترتب عليه حدوث تضخم؛ أي ارتفاع في المستوى العام للأسعار. وتناول المقريزي شرح هذا السبب في جزء كبير من الكتاب، منها قوله «السبب الثالث رواج الفلوس: اعلم جعل الله لك إلى كل خير سبيلًا ذلولًا، وعلى كل فضل علمًا ودليلًا، أنه لم تزل سنة الله في خلقه، وعادته المستمرة منذ كانت الخليقة إلى أن حدثت هذه الحوادث، وارتكبت هذه العظائم التي قلناها في جهات الأرض كلها، عند كل أمة من الأمم كالفرس والروم وبني إسرائيل ويونان والقبط، بل النبط والتبابعة أقيال اليمن، والعرب العاربة والعرب المستعربة، ثم في الدولة الإسلامية من ظهورها، على اختلاف دولها التي قامت بدعوتها والتزمت بشريعتها، كتبني أمية بالشام والأندلس، وبني العباس بالمشرق، والعلة بين بطبرستان وبلاد المغرب وديار مصر والشام وبلاد اليمن، ودولة الترك بني سلجوق، ودولة الديلم والمغل بالمشرق، ودولة الأكراد بمصر والشام وديار بكر، ثم ملوك الترك بمصر، أن النقود التي تكون أثمانا للمبيعات وقيمًا للأعمال إنما هي الذهب والفضة فقط».

واختتم المقريزي كتابه ببيان علاج هذا الارتفاع في الأسعار، وفوائده على الغالية من الناس.

لا شك أن الظروف التي كانت تعيشها مصر وقت هذه المحن أو المجاعات – كما يسميها المقريزي- تختلف عن ظروف مصر الآن، ما ذكره المقريزي من أسباب أدت إلى ارتفاع أسعار في زمانه، لا يختلف كثيرًا عن أسباب ارتفاع الأسعار في مصر الآن؛ فالفساد وتولي المناصب في مصر بالرشوة والمحسوبية واضح ولا يحتاج لدليل، كما أن ارتفاع أسعار الأراضي، سواء الزراعية أو العقارية في مصر الآن يمثل أحد أهم المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد المصري، وهو ما ترتب عليه انصراف أغلب الفلاحين عن الزراعة، وفقد جزء كبير من الأراضي الزراعية، إما بسبب إهمالها وعدم زراعتها، أو تجريفها والبناء عليها، وهو ما أدى بدوره لفقدان مصر لميزة نسبية في زراعة بعض المحاصيل كالقطن والقمح، ومحاصيل أخرى كانت مصر تقوم بتصديرها، وأصبحت الآن تستوردها. كذلك طباعة البنكنوت بدون أن يقابله إنتاج يعتبر من أهم الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الأسعار الحادث هذه الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد