بين كل هؤلاء الأجانب الذين يأتون إلى مصر مطمئنين لأنها بلد الأزهر، ويُحضرون أولادهم ليتعلمو تعليمًا إسلاميًا بعقيدة صحيحة في بلد إسلامي، بين المسلمين الجدد الذين جاءوا هنا فارين بعقيدتهم للحفاظ عليها في بلاد مسلمة.

بين هؤلاء الذين وجدوا في بلادهم حظر العبادات والأذان والحجاب؛ فجاؤوا إلى مصر غير مبالين باقتصاده وأحداثها؛ فقط لأنها تحفظ دينهم ويمارسون عبادتهم بحرية. بين كل هؤلاء تأتيني الطالبة الإكوادورية فتقول:

(جئت إلى مصر منذ سنوات فقط لأسمع الأذان؛ فهو ممنوع في بلدي، أسلمت حديثًا، وجئت إلى هنا لأتعلم كل ما يختص بالإسلام، توقعت في البداية أن الأمر سهل؛ لأنني في بلد الأزهر الشريف، وما أن سمعت الأذان حتى صُعقت بما أسمع؛ أهذا صوت مؤذن فعلًا!

دائمًا أسمع الأذان في التلفاز بصوت شجي مريح! ما هذا!

بالتأكيد وزارة الأوقاف لا تعرف، يجب أن يُمنع هذا المؤذن، ولكن وجدت أن ٩٠% من مؤذني مصر يؤذنون بنفس الصوت الذي يُنفّر قبل أن يدعو إلى الصلاة! حاولت التأقلم واكتفيت بأني أسمع أذانًا في منطقتي بصوت عال جهور لا يخاف حظرًا ولا منعًا، تمنيت أن أُصلي الجمعة في جماعة في المسجد، وما أن ذهبت إلى المسجد حتى وجدت كارثة أكبر، داخل المسجد بالقرب من الباب أحذية كثيرة في الداخل، وليست في الخارج، وبالطبع تسبب رائحة كريهة للمصلين، حاولت التحمل لأشعر بمتعة الصلاة وسط الجمع، ولكن الرائحة لا تحتمل، النساء يجلسن بالطعام في المسجد يأكلن ويشربن والرائحة تزداد، أطفالُ في كل مكان، هنا يبكون بصوت عال، وهنا يلعبون وهنا نائمون، الزحام شديد، الشيخ بدأ خطبته فإذا به يتحدث بالعامية المصرية، وأنا لا أفهم إلا الفصحى، فكيف ببلد الأزهر أن يتحدث علماؤها بالعامية! حاولت أن أفهم ما يقول، فلم أستطع، تكلمت مع من تجاورني في المكان، فإذا بها تستغرب الفصحى كثيرًا، وتنادي إحداهن لأنها لا تفهم، يا الله أنا في بلد عربي، ولا يفهمون لغتهم، فبأي لغة أتحدث إذًا، قُمنا إلى الصلاة، وإذ بالصاعقة الكبرى؛ الشيخ يخطئ في قراءة القرآن، إذا ذهبتهم إلى أي بلد أوربي فستعلمون لما هي صاعقة؛ لأن مصر معروفة بين الدول الأوربية ببلد القراءات، يقولون من أراد علم القراءات فعليه بمصر.

عُدت إلى المنزل مُحملة بالهم؛ فكيف لي أن أتعلَّم الدين والعقيدة والقراءات وأحفظ القرآن في بلد لا يهتم بشعائر دينه ومن يقدمها!

هؤلاء على المنابر فما حال العامة إذًا!

– في الحقيقة لم أستطع الرد عليها؛ فهي على حق، وحديثها لا يهين بلادنا أبدًا، وإنما يُرينا وجهًا آخر، وجهًا أهملناه كثيرًا في حين أن الكثير يتمناه.

نرى هذه الأخطاء الآن طبيعية، ومن يقرأ قراءة صحيحة، أو يملك صوتًا شجيًا، فهو مختلف ومميز!

لا أعلم ما هي المعايير التي يتم بها اختيار المؤذن والخطيب، ولكن ما أعلمه جيدًا أن هذه المعايير بها خطأ كبير، كيف يصبح مؤذنًا ومخارج الحروف لديه غير صحيحة!

كيف يصبح مؤذنًا وصوته غير مرغوب فيه!

إن كان بالأعلى صوتًا، أو الأكثر علمًا، فلم اختار النبي أشجاهم صوتًا للنداء إلى الصلاة. تذكروا أنه كان يقول (أرحنا بها يا بلال)!

أرحنا بجمال صوتك للنداء، أرحنا بها لنقوم مطمئنين، مقبلين غير مدبرين.

أرحنا فشوقنا يزداد مع كل نداء، ونشعر بقربه مع كل لفظ تُنادي به.

فهل هذا ما نشعر به اليوم عند سماع الأذان؟

أما عن الخطيب فكيف يكون خطيبًا وهو مصاب بلثغة مثلًا!

هل تعلم أن اللثغة قديمًا كانت تمنع صاحبها من الخطابة وقول الشعر؛ حتى لا تلتبس الأحرف ويلتبس القول على الناس.

ما هي معايير الخطابة في بلادنا إذًا، هل العلم يكفي لأصبح خطيبًا!

وماذا عن القراءة الصحيحة؟ هذه فعلًا مصيبة أكبر، فهذا حال الشيخ، فما بال العوام!

بهذا الحديث فقط أردت أن أسلط الضوء على الاهتمام بشعائرنا التي تكاد تعدم وسط كثرة الأحداث، رمضان على الأبواب فرجاءً اختاروا الخطيب والمؤذن جيدًا، فالعوام يسمعون وأنتم تؤجرون أو تأثمون هذا حسب خياركم لمن وضعتموه كخطيب أو إمام لنا.

رجاءً عندما تضعون المعايير، تذكروا أن هذا الشيخ سيحدثنا عن الله، فما وصف من يحدثنا عن الله في توقعكم وما يجب أن يمتاز به!

أما رجائي للعوام والنساء خاصة: لا تحضروا طعامًا في المسجد؛ فالمكان خُصِّص للصلاة والعبادة وأماكن الطعام كثيرة.

إن كان طفلك لا يجلس هادئًا ولن يريح الجالسين، فرجاءً لا تحضريه، لا تهاجميني بقولك: كيف سيحب المسجد إذًا، بهذه الطريقة هو لن يحب المسجد.

بهذه الطريقة تزعجينه وتؤذين المُصلين! فما الداعي لكل هذا؟

أما بالنسبة للأحذية، فضعيها في المكان المخصص لها، أو ضعيها في كيس صغير داخل حقيبتك.

وأخيرًا نظافة المسجد من نظافتك ونظافة بيتك، ودور العبادة أرقى من تتركي فيها نفايات يحملها عنكِ غيرك، حتى وإن كان منديلًا صغيرًا، فضعيه في حقيبتك إن لم تجدي صندوقًا للنفايات.

– فلنكن جميعًا على قدر المسئولية، ولنحيي شعائرنا، ولنهتم بها، كي نستطيع القول إننا في بلد إسلامي، بلد العلماء، بلد الأزهر الشريف. لنكن على قدر المسئولية التي تركها لنا أجدادنا في هذا البلد المبارك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد