معضم الأديان والمذاهب تمتلك طقوسها ومراسيمها التي تضفي عليها ذاك الطابع الروحي وتحيطها بهالة من القدسية في عيون معتنقيها، وتعبر طقوس هذه الأديان عادة عن طبيعة المنطقة وعادات وتقاليد مجتمعاتها وتكون متسقة مع نسيج المجتمع الذي يمارسها إذ هي منبثقة منه أساسًا.

وتكون مثيرة للاهتمام عند وضعها تحت التحليل والتمحيص والدراسة العلمية، حيث تكون مادة غنية تساعدنا على فهم سوسيولوجيا المكان وثقافته.

لكن ما هو أكثر إثارة للاهتمام حين نرى طقوسًا غريبة على المنطقة وليست وليدة ثقافتها مما يثير الفضول أولاً في كيفية وصول هذه الطقوس المعنية للمنطقة، ثم في كيفية اعتناق أفراد هذه الرقعة الجغرافية شعائر وطقوس لا تنتمي لثقافتهم، ستتناول هذه المقالة إحدى هذه الحالات المتمثلة بشعائر وأدبيات ومفاهيم يؤمن بها ويطبقها بعض معتنقي المذهب الشيعي في العراق.

يستذكر بعض المسلمين الشيعة معركة كربلاء أو واقعة الطف في العاشر من محرم من كل عام بطقوس وشعائر يمارسنوها بشكل جماعي في جو يسوده الحزنن حاملين إيمانًا أن هذه الطقوس والشعائر شكل من أشكال التكفير عن الذنب من جانب ومن جانب آخر وسيلة لاستمرار وخلود قضيتهم الدينية-التاريخية المتمثلة بواقعة الطف، شعائر كالتطبير (وهو إدماء الرؤوس ويستخدم فيه السيوف والسكاكين أو أي أدوات حادة أخرى، فيضرب المطبر رأسه بهذه الأدوات الحادة ليفتعل جرحا لإسالة الدم من رأسه) أو شعيرة إدماء الظهر بسلسلة من السكاكين أو ضرب الظهر بسلاسل حديدية (الزنجيل) أثناء قرع الطبول.

لسنا في خضم مناقشة هذه الشعائر فقهيًا ودينيًا، حيث اختلف مراجع الشيعة بين مؤيد كالخوئي وبين معارض كمحمد باقر الصدر ومحسن الحكيم ولسنا في خضم تفكيكها وتحليلها وفهم دوافعها السيكولوجية أو حتى نقدها، بل سنقتصر على فهم الخلفية التاريخية لها وكيف وصلت للبيئة العربية والإسلامية وهي ليست بجزء منها فلم نرى مثل هذه الطقوس إطلاقًا في التاريخ الإسلامي أو الثقافة العربية أو العراقية (حضارة بلاد ما بين النهرين) إذ هي دخيلة حديثة لهذه البيئة، حيث لم يرد لهذه الممارسات ذكر في أي من كتب التاريخ حيث تحدث المقريزي على سبيل المثال لا الحصر عن مظاهر العزاء في عاشوراء في عصر دولة الفاطميين والبويهيين وغيرهم (وهي دول شيعية) ولم يشر لمثل هكذا طقوس وممارسات، لذلك حين نبدأ التنقيب عن أصل هذه الطقوس نجد أنها مستوردة حيث يرى علي شريعتي أن هذه الطقوس ما هي إلا بقايا الصراع السياسي العثماني الصفوي، حيث حارب العثمانيون الدول المسيحية في أوروبا وغزوها طوال قرون ومن جانب آخر فالصفويون هم كذلك الند اللدود للعثمانيين، حتى إن البعض يرى أن الصفويين اتخذوا من المذهب الشيعي مذهبًا لدولتهم نكاية بالعثمانيين (الذين يعتنقون المذهب السني).

فقام الصفويون بمغازلة الدول المسيحية التي تكن العداء هي الأخرى للدولة العثمانية عن طريق تقريب المسيحيين للمذهب الشيعي وللدولة الصفوية خاصةً، ومع هذه العلاقة الطيبة الناشئة ومع التبادل الحضاري والثقافي بين الطرفين السالف ذكرهما استورد الصفويون طقوس المسيح الأرثذوكس القوقاز التي يقومون بها في مراسمهم الدينية ومحافلهم وأساليبهم في استذكار صلب المسيح وشهداء المسيحية واقتبست هذه الطقوس من قبل الصفويين مع إجراء تعديلات طفيفة عليها من قبل الملالي لكي تناسب مناسبات المذهب الشيعي.

فالتطبير وضرب الظهر بالسلاسل (الزناجيل) وغيرها هي عادات مسيحية انتقلت لإيران ومن ثم لشيعة العراق وباقي المنطقة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، يتداول شيعة العراق صورًا تخيلية للإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ويضعونها في مجالس العزاء والبيوت واللافتات في الشوارع وغيرها، حتى إن البعض من البسطاء يتبركون بها ولكن في واقع الحال هذه الصورة المتخيلة ليست للحسين بن علي من الأساس! فالصورة تعود بالأساس للشاعر الإيراني الشهير حافظ الشيرازي، وتم استيرادها هي الأخرى من إيران أبان الحكم الصفوي وانتشرت انتشارًا واسعًا في أواسط الشيعة في العراق والمنطقة مؤخرًا.

نرى كيف تأثرت هذه الطقوس والشعائر بعوامل مختلفة سياسية وتاريخية، وشاهدنا كيف يتم خلط السياسة والدين معًا، ونرى كيف للدين أن يؤثر في السياسة ويصنع أيدلوجيات هجينة، لكن ما أحاول أن أشير له هو أن الأمر لا يقف هنا فقط فالذي أمامنا الآن هو نموذج لتأثير السياسة على الدين، وكيف للصراعات السياسية أن تأثر في أدبياتنا الدينية ولست في خضم الدخول في جدل حول صواب هذه الشعائر من عدمه إنما أكتفي بترك سؤال جوهري بين أيدي القارئ، ماذا ترى من تبعات خلط السياسة والدين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد