تابعت بكل حزن وغضب احتفال السفارة الإسرائيلية في القاهرة داخل فندق «ريتز كارلتون» الفخم، بذكرى مرور 70 عامًا على قيام دولة إسرائيل، في الحقيقة الحدث برمته ليس فقط محزنًا لكنه مهين، مهين لكل مصري وعربي لا يزال يعتصر قلبه الألم جراء جرائم العصابات الإسرائيلية في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان، الجرائم التي لا تزال حاضرة إلى يومنا هذا، بل ومتواصلة بحق الشعب الفلسطيني البطل والمناضل من أجل أرضه المغتصبة.

المثير للشفقة في هذا الحفل أن إسرائيل تطلق عليه «عيد الاستقلال» أي استقلال؟! فذاكرتي الواهنة لا تسعفني إذا ما كان لأولئك اليهود وطن قبل عام 1948، وأنهم ناضلوا ليحصلوا على استقلاله من المستعمر! ولكن لا غرابة في الأمر فالتبجح الإسرائيلي أضحى السمة الغالبة في تعاملهم مع العرب، فيومًا بعد يوم أشاهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلهث ولسانه يتدلدل من أجل التفاوض المباشر مع إسرائيل، تفاوض على فتات الفتات من أرض فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني، وبالمقابل نتنياهو لا يعيره انتباهًا أو وزنًا حتى.

نعود إلى الحفل، كم هو مهين أن نرى أولئك الصهاينة وهم يحتفلون على ضفاف النيل وفي قلب القاهرة، وفي الفندق الذي افتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وعقدت فيه عشرات اللقاءات بين الزعماء العرب، وعلى بعد خطوات من ميدان التحرير الذي هو رمز لثورة مصرية عظيمة كانت عنوانًا للكرامة الوطنية، كم هو مهين أن نقف عاجزين لأن نظامًا حاكمًا في مصر يرى في إسرائيل صديقًا وفيًا.

إن اختيار فندق الريتز كارلتون «النيل هلتون» سابقًا، ليس صدفة، ولكنه رسالة إسرائيلية مقصودة وموجهة للعرب وللفلسطينيين من قلب القاهرة، الإسرائيليون لا يتركون شيئًا للصدفة يا سادة، حتى إنني أتذكر هنا عندما أعلنت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني العدوان على غزة عام 2008، كان هذا من قلب القاهرة وسط صمت محزن من وزير الخارجية المصري حينها أحمد أبو الغيط.

وبعد نحو 10 سنوات، ها هي إسرائيل توجه رسالة أخرى للعرب من قلب القاهرة، ورسالة أخرى من تل أبيب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، هم يدركون جيدًا أن حكام العرب خنعوا أو ماتوا وشبعوا موت، وأن القمة العربية الأخيرة التي أطلق عليها ملك السعودية «قمة القدس» ليست إلا مسرحية هزلية يسخر بها الحكام من عقول شعوبهم.

إن مطالبات بعض النشطاء والشباب بمقاطعة فندق الريتز كارلتون هي مطالبات مبررة ونابعة عن سخط عام، لكن بالنظر إلى المسألة بشكل مجرد، نجد أن الفندق هو الحلقة الأقل ذنبًا في سلسلة خطايا حفل السفارة، وأن اللوم الأول والأخير يقع على عاتق من أعطى الإذن بإقامة مثل هذا الحفل ووفر له سبل التأمين وأعطى الضوء الأخضر لممثلي الحكومة أن يحضروا ويجلسوا على مائدة واحدة يتناولون العشاء الفاخر ويضحكون على جثث أطفال وشباب فلسطين الذي يقتلون على السياج الحدودي بقطاع غزة الآن، وما سيزيد الدهشة أنك ستجد حفنة من الإعلاميين والسياسيين سيكررون في قادم الأيام كلماتهم الجوفاء بأن مصر لم ولن تتخلى عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني! وهل بعد هذا التخلي تخل يا سادة؟!

ولأن كل هم مبكٍ بداخله هم مضحك، قرأت تصريحًا لرئيس مجلس النواب المصري علي عبد العال يحذر فيه أعضاء البرلمان من حضور حفل السفارة، ويتحدث عن ثقته في أن البعد الوطني لدى المواطنين المصريين من رجال أعمال وغيرهم ممن ستدعوهم السفارة للحفل، سيحول دون مشاركتهم في ذلك الحفل، تصريحات كوميدية والله!

للأسف نحن أمام مشهد يسير بسرعة البرق نحو تطبيع غير مسبوق مع إسرائيل، تطبيع مصري سعودي إماراتي بحريني نتيجته الحتمية هي الإجهاز على القضية الفلسطينية تمامًا.. #بؤس

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد