انتهى المؤتمرون في الرياض، وخرجوا ببيان يجمعون فيه على أن سوريا من الممكن أن تكون “الصومال” ثانية أو اليمن أو أقله ليبيا. فالبيان الختامي وضع سدًّا منيعًا لأي حل سياسي يفضي إلى تخليص سوريا من الضياع وإخراجها من هذا النفق المظلم وهذا الدمار والنزيف الذي أهلك السوريين، وأقروا بالإجماع أنهم لا يعملون من أجل أجندات سورية بل هم أدوات وأوراق بيد التحالف الثلاثي (التركي السعودي القطري) أمام التحالف الثلاثي الآخر (الروسي الإيراني البشاري).

فالبيان جاء حرفيًّا، لما صرح به وزير الخارجية السعودي قبل انتهاء المؤتمر، حيث قال لا نقبل بأي حل سياسي يكون فيه بشار الأسد في السلطة ولو ليوم واحد.

كأن السيد “عادل الجبير” أصبح معارضًا سوريًا، لا بل أصبح المتحدث الرسمي باسم المعارضة وفصائلها المسلحة! وناسيًا أنه وزير لدولة له أيضًا يد فيما يجري للسوريين. لم نسمع من سيادة الوزير أن المملكة السعودية ستقوم بفتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين الذين ضاقت بهم الدنيا من آلة الحرب والدمار البشارية والروسية والتحالفية والداعشية… ولكنه تذكر أن يجعل الرياض مرجعًا للمعارضة وينصب نفسه رئيسًا له! الآن تعادل الفريقان السوريان وطبقوا المثل الشعبي الذي يقول (ما في حدا أحسن من حد).

وأصبحت سوريا حكومةً ومعارضةً: تدار من قبل السيد “سيرغي لافروف” والسيد عادل الجبير. حكام سوريا الجدد.

والبيان جاء ترجمة لحديث الوزير، ولم يتجاوزه بحرف؛ فالسعودية فرضت نفسها راعية للمعارضة الطائفية السورية المجتمعة عندها، وجاء إقصاؤها للقوى الديمقراطية والعلمانية على حساب القوى المتطرفة الموالية لفكرها الطائفي المتشدد…

السوريون أصبحوا وقودًا لصراع طائفي بغيض بين السعودية وإيران، والثمن تدمير سوريا وتشريد أهلها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أصبحنا أيضًا أدوات لتجارب الأسلحة الغربية والشرقية، وسماؤنا تعج بالطائرات وأرضنا امتلأت بالمتفجرات الذكية وغير الذكية، ويخرج إلينا المعارضون، ليكملوا ما لم يتمكن هؤلاء من نيله..

فالبيان لم يتطرق إلى الوقف الفوري لكافة عمليات القصف العشوائي للمناطق الآهلة بالسكان المدنيين من قبل طائرات التحالف وروسيا، ولم يشكل لجنة لمحاورة هذه الدول لإعادة النظر في قتال “داعش”، فضحايا قصفهم أغلبهم مدنيون سوريون.

وأيضًا لم نرَ دعوتهم إلى الفصائل المتطرفة الشبيهة بالإرهابية الموجودة في مؤتمرهم إلى الوقف الفوري لقصف الأحياء الكردية، وفك حصارها عن المدن الكردية لتجنب صراع بين مكونات الشعب السوري.

ولم تشكل أي لجنة لتقوم بالتحاور مع القوى التي لم تدعَ للمؤتمر ومحاولة ضمها وتفادي التصادم مستقبلا، وأيضًا لم نرَ أي دعوة إلى الدول لمساعدة اللاجئين… وتشكيل لجنة تقوم بمتابعة أوضاعهم.

لقد قدم الرياضيون (المعارضة السورية) أكبر خدمة للنظام وإيران وروسيا، وقوى موقفهم وأضعف موقف المعارضة أكثر، بهذا البيان الهزيل الخالي من أي حل في الأفق البعيد أو القريب! بل بالعكس أمد بعمر بشار وسلطته، ودفع إيران وروسيا إلى المزيد من الدعم له. إن كل تلك الدماء والدمار اختزله الرياضيون في هدف واحد: السلطة! وإزاحة بشار والجلوس في مكانه، وأن يكون من توابع السعودية وتركيا وغيرهما، ومثل بشار الذي وضع سوريا تحت انتداب روسي إيراني مشترك.

كنا نأمل من هذا المؤتمر أن يكون جامعًا لكل السوريين من دون إقصاء، وأن يكون المنبر الوحيد الذي يتوجه إليه السوريون، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

هل يمكن أن يقبل بشار الأسد بالرحيل بمجرد أن المعارضة وافقت على التفاوض مع نظامه؟ وما هو المانع من بقاء بشار إلى أن تُجرَى انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، تحدد مصير الأسد، إذا كان لا يوجد حل آخر في الأفق، فنظام بشار أثبت أنه لن يهزم عسكريًّا وأنه لن يتنازل عن السلطة.. ولن يدخل في مفاوضات بشروط مسبقة وتعجيزية “وداعموه الدوليون والإقليميون الطائفيون” مازالوا يقدمون له كافة أنواع الدعم والمساندة حتى وصل الأمر بهم إلى إنشاء قواعد عسكرية لدعمه وبقائه!

بشار بدأ بالقتل والتدمير والتشريد، ولكن الفصائل المتطرفة والدول الداعمة له أيضا لا يقل دورها عن دور بشار في المأساة السورية، فهم أيضًا لم يقصروا في تدمير وتشريد وقتل وفرض حكمهم بالقوة والسلاح والإرهاب على الشعب السوري.

الحل في سوريا لن يكون إلا بالجلوس المباشر بين النظام والمعارضة بجميع مكوناتها، والتفاوض على حل انتقالي توافقي يمهد لرحيل الأسد وكل من تلطخت يداه بدماء سورية.

ويفضي إلى إقامة نظام ديمقراطي برلماني تعددي يؤمن بحقوق كل المكونات السورية، ومنها الكرد كثاني أكبر مكون، والاعتراف بحقوقه القومية حسب المواثيق والعهود الدولية، ويُقّر بالوضع الحالي للمناطق الكردية إلى أن يتم حل القضية حلًّا عادلًا…

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد