“الحكاية كلها كالحلم، جئت من الإسكندرية للبحث عن أبي، فوقعت أحداث غريبة نسيت فيها مهمتي الأصلية حتى وجدت نفسي أخيراً في السجن”. (الطريق ، ص184).

 

 
قد تبدو العبارة السابقة بسيطة وعادية وهنا تكمن عبقريتها: فهذه العبارة البسيطة تحكي حكاية البشرية كلها، ماذا لو قرأناها مرة أخرى مع استبدال بعض الكلمات: “الحكاية كلها كالحلم، جئت (إلى الحياة) للبحث عن (الله)، فوقعت أحداث غريبة نسيت فيها مهمتي الأصلية حتى وجدت نفسي أخيراً في (القبر)”.

 

إنه نجيب محفوظ الأديب الفيلسوف المبدع العبقري، اسم الرواية وحده شديد الإيحاء (الطريق) ـ رحلة الإنسان من الميلاد إلى الموت، تبدأ الرواية بمشهد موت والدة صابر التي كانت تعمل في الكباريهات والمخدرات والبلطجة، الأم التي منحت ابنها كل شيء، وحاولت أن تجنبه مصيرها المؤلم، فأخبرته قبيل وفاتها أن والده حي يرزق وهو من الأعيان المحترمين.

 

 

إنها لحظة ميلاد جديدة لصابر وفرصة للنجاة، وهنا تبدأ الرحلة أو (الطريق)، ميلاد صابر بوفاة أمه، ومعرفة الحقيقة الجديدة، البحث عن الأب في رمزية واضحة للمعنى، أو القيمة، تشكك صابر في وجوده، وسؤاله لأمه (وكيف أبحث عن شخص غير متأكد من وجوده(؟
وبالفعل ينتقل صابر من الإسكندرية إلى القاهرة في إشارة للانتقال من رحم الأم إلى الحياة بصخبها وعنفوانها، ويبدأ رحلة البحث عن الأب “سيد سيد الرحيمي” (لاحظ الاسم) وهو لا يعرف عنه شيئا، سوى اسمه، وأنه رجل شريف، وثري، ومحترم، في إشارة إلى أنه يمثل: قيم الخير والسلام والحب، أو أنه يمثل: معنى الحياة أو يمثل (الجبلاوي)، ويتأكد المعنى الأخير إذا عرفنا أن صابر لم يوفق في مقابلة سيد الرحيمي، وأنه لم يظهر في الرواية تقريبا، إلا من بعيد ودون تحديد واضح!

 

في القاهرة (الحياة) أثناء بحثه عن الرحيمي ( المعنى) يقابل صابر كريمة التي تمثل الشهوة والعنف والغريزة، ويقابل أيضا إلهام التي تمثل الحب والمثالية والخير.
كريمة تعتبر امتدادا لأم صابر أو صورة من صورها وامتدادا لماضي صابر الملوث، وما يمثله من جريمة، وشهوة، وانفلات، في إشارة إلى طبيعة الإنسان وشهوته وغرائزه.
وإلهام تعتبر امتدادا لسيد الرحيمي أو صورة من صوره، وما يمثله من خير وحب وسلام،

 
كريمة هي الحياة المادية، ومتعتها، وإغواؤها، واإلهام هي فرصة النجاة والسمو والارتفاع،

 

 
تؤكد الرواية دوما على هذه النقاط، فنجد صابر أبعد ما يكون عن سيد الرحيمي، وهو في أحضان كريمة، وأقرب ما يكون منه وهو مع إلهام.

 

 

صابر نفسه يشبه الرحيمي أحيانا ولا عجب فهو والده، وأحيانا أخرى يشبه أمه، يظل صابر حائرا ومترددا طوال الطريق ما بين إلهام وكريمة، لكنه في النهاية يقع في الغواية ويقتل زوج كريمة؛ ليستأثر بماله وزوجته،

 

 

 

 

 

ثم يقتل كريمة نفسها ويبتعد عن إلهام ويدها الممدودة، ثم يقول عبارته البديعة المذكورة في أول المقال، وهو يتحدث لمحاميه، ويخبره أنه ما زال لديه أمل أن يأتي سيد الرحيمي وينقذه، وتنتهي الرواية البديعة، وتساؤل مهم يكبر مع كل سطر منها في المسافة الفاصلة بين ماضيه الممتد، وفطرته المجبولة على الشهوة والغريزة، وبين إرادته الحرة ورغبته في السمو والارتقاء، والوصول للمعنى والقيمة:

 

 

 

 

أين تقع مسئولية الإنسان عن أفعاله؟

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد