من أكبر الأخطاء التي نقع فيها جميعا هو اعتقادنا بأن الثورة هي إسقاط الأنظمة وفقط، وكان من الأولى أن نفهم من دروس الماضي القريب والأليم بأن التغيير الحقيقي يكمن في تغيير أنفسنا وإسقاط عيوبها، قبل أن نسقط أنظمتنا؛ لأنه حال سقوط النظام سنكتشف أن عيوبنا وأمراضنا ذاتها كانت سببا في عدم حدوث التغيير الذي كنا نحلم بحدوثه.

إن 25 يناير كانت لحظة صادقة للخلاص من الترهل والفقر وغياب الأمن والتسلط، وكانت لحظة ضرورة في تاريخنا، مثلما كانت 30 يونيو لحظة صدق للخلاص من الضعف وعدم الكفاءة والانقسام الذي كاد يعصف بالبيوت من داخلها، لكن ما حدث بعد اللحظتين هي أمراضنا التي أعاقتنا عن الحركة، ودوما نحن نحب أن نلقي اللوم على غيرنا، ولا نتهم أنفسنا بأننا نحن الذين أفشلنا اللحظتين.

سنوات خمس لم تكن كافية على الإطلاق في أن نتعلم، ولكننا نرتكب الأخطاء نفسها، ولا نملك سوى طريق واحد للتغيير، وهو النضال ضد فرد أو ضد نظام، لكن شخصا واحد لم نناضل ضده: وهو أنفسنا!

سنوات خمس لم تكن كافية لأن نحترم عجزنا وضعفنا عن تغيير أوضاعنا، وأن مشاكلنا لن تحل برحيل رئيس، ولكن سيبقى الموظف الذي أفسدته العقلية البيروقراطية فقام يعطل مصالح الناس ويجبرهم على دفع أموال مقابل تمريره لها، والتاجر الذي يحجب بضاعته عن الناس ليزيد ثمنها، ومعلم ينظر لتلاميذ صفه باعتبارهم أموالا لابد من أن تدخل جيبه في دروس خاصة، ومهندس وافق على تعريض حياة الناس للخطر، وأعطى ترخيصا لبناء أدوار مخالفة، ومقاول أكل من نقود الأسمنت والحديد، وطبيب رفض استكمال جراحته قبل أن يتقاضى أموالا من أهل المريض، وشرطي أخذه غرور السلطة فقام يتسلط على الضعفاء، ورجل تملكته الأنانية فراح يتجاوز الناس بسيارته ويمشي في عكس الاتجاه ويقطع إشارات المرور.

سنوات خمس لم تكن كافية لأن نحترم قلة حيلتنا ونحن أصبحنا نرى الناس تصارع الموت على الطرقات ونخشى من إنقاذهم؛ خشية التورط، ولا نمنع متحرشا من التحرش بفتاة مسكينة؛ تحت قاعدة عدم التدخل: (مليش دعوة) ولا نمنع صبية يؤذون ضعيفا عقليا في شوارعنا، إذ يقذفونه بالحجارة وهم يلعبون!

الثورة لن تنجح قطعا؛ لأن أهداف الثورات هي التغيير للأمام، وبدون عمل لا يمكن أن تنجح ثورة، ونستطيع تغيير كل رئيس يأتي إلينا، لكن ليس معنى ذلك أننا سننجح في حصد الحرية والعيش والعدالة الاجتماعية؛ لأنك لا تستطيع الصعود للدور الخمسين، إلا بوجود مصعد الاقتصاد والإنتاج والعلم، والكهرباء التي تحرك هذا المصعد هي الأخلاق والمبادئ.

في أية ثورة ناجحة لا بد أن يتوازى مشروع اقتصادي وتعليمي، بجانب مشروع أخلاقي، وبالاثنين معا تستطيع أن تحقق مشروعك الحقوقي، وبذلك تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش من قبلهما.

وما زالوا يصرون على أن يصعدوا الأدوار العليا، دون المرور على الدور الأول، وتلك هي لب المشكلة التي نعانيها، وهي غياب التخطيط وفقدان الرؤية.

لن تستطيع أن تغير شيئا، دون أن تبذل مجهودا قبله، ولن تستطيع أن تنهض بحقوق الإنسان في وطنك، إلا في إطار مشروع جامع يحفظ لهذا الإنسان كرامته، ابتداء من نهضة اقتصادية ملائمة وتعليم جيد، ومستوى صحي مناسب وآدمي، وإعلام غير كاذب، وغير ناطق بلسان المال، الذي يتحكم فيه، والسلطة التي تتحدث باسمها.

لن تستطيع أن تغير شيئا، طالما لا يوجد مشروع أخلاقي يبدأ من دعم الأسرة وتوعيتها تربويا، حتى يصبح الأب شريكا في تنمية الثروة الحقيقية في المجتمع، وهي الفرد وثقافة المجتمع مهددة؛ لأنها لم تعد تنقلها الأجيال لبعضها البعض؛ لتردي مستوى العلاقات داخل الأسرة، ولغياب كثير من الآباء، إما بالسفر للعمل، أو بالكد من أجل لقمة العيش، أو بعدم اهتمام الأمهات وضعفهن أمام الأبناء الذين ذهبوا إلى سلطة أقوى، وهي سلطة الرفاق، ومنها تبدأ معاناة كثير من الأسر المصرية.

لن تستطيع أن تغير شيئا، طالما لم يتم دعم المدرسة: ثاني مؤسسات المجتمع، دخولا في وعي الطفل بعد الأسرة، ابتداء من تغيير مناهجها وتطوير أداء معلميها وتغيير أساليب التقييم، ونقل عملية التعلم إلى خارج المدرسة، بدلا من الأساليب العقيمة التي تعتمد على الحفظ والتلقين، حتى أصبحت مخرجات التعلم لدينا مجرد ديكور وشهادة معلقة على الحائط وبطالة تضرب في المجتمع.

قد يقول قائل: وكيف يمكن تحقيق ذلك؟

الإجابة ليست بسيطة، ولكن التجربة أثبتت أنه لا تغيير بدون استعداد، ومشروع عام في المجتمع، يشارك فيه الجميع، وإلا فإنه لن تنجح أية محاولات للتغيير الحقيقي، وذهب مبارك ومرسي باحتجاجات شعبية كبرى، ولم يتغير المجتمع، وبقيت مشاكله، والخطوة الأولى هنا، هي: تحديد المسئوليات للمؤسسات المجتمعية، حكومية كانت أو أهلية.

التعليم والصحة والصناعة والزراعة والسياحة والثقافة والأزهر والكنيسة والأوقاف والبحث العلمي والإعلام والرياضة والشرطة والجيش، وغيرها من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، مثل: منظمات المجتمع المدني الخدمي والحقوقي والنقابات وغيرها، لابد للجميع من نشر برامجهم وخططهم، ويكون ذلك ضمن خطة عامة للدولة، بحيث يتكامل فيها الاقتصادي مع الأخلاقي، وتمنح المنظمات والجمعيات تراخيصها وفقا لأهدافها ويعزل الوزراء ويعينوا وفقا لما حققوه من تلك البرامج.

تلك هي الخطوة الأولى: عرض الواقع كما نعيشه، ووضع خطة بأهداف واضحة وإجراءات زمنية، كل في تخصصه، ويتم التقييم على أساسها.

الخطوة الثانية: هي تجاوز الماضي، وليس نسيانه؛ فما حدث لا يمكن نسيانه، ولكن علينا أن ننظر إلى أولادنا وأحفادنا، فمن حقهم أن يعيشوا مثلما عشنا نحن، وفي مناخ أفضل، ونحن شعب فقير، ولا نورث أبناءنا الأموال والعقارات، ولكن نورثهم التربية الحسنة والأخلاق، وإن لم نتجاوز آلامنا سنورثهم الكراهية والأحقاد لبعضهم البعض.

إن لم نتجاوز ماضينا، وليس نسيانه، لن يستطيع أبناؤنا أن يتعلموا أو يصنعوا ذكريات جميلة في أوطانهم، مثلما فعلنا نحن، وسيكبرون في عالم مضطرب، وغير مستقر وسيتهددهم مشاعر عدم الانتماء للوطن الذي فيه يعيشون.

لابد من حوار مجتمعي لا يستبعد أحدا، تحت قاعدة: أن الوطن ملكية عامة، ونحن جميعا من نفس ذات الأرض، وأن السماء ستظللنا، شئنا أم أبينا، ولا يملك أحدنا أن يخرج الآخر من تحتها، ولا يستطيع أن يمنعه من أن يمشي على أرضها.

الوطن ملكية عامة، بمؤسساته وأفراحه وأحزانه، والمساواة بين أفراده، دون اعتبارات الدين والجنس واللون، والمستوى الفكري والمستوى الاقتصادي والمستوى الوظيفي.

هذا الحوار المجتمعي لا بد أن يكون في جميع مراكز الشباب بالقرى، وفي داخل النوادي، وفي الجلسات العائلية، وعلى شاشات التلفاز، فيقترب الناس لبعضهم البعض بعد ابتعاد.

الخطوة الثالثة هي احترام القانون، الكل سواسية أمام القانون، الذي يجب تطبيقه بقوة؛ لأنه رأس الدول الذي يجب احترامه، وأن يكون تطبيق القانون وفق آليات موضوعية لا شخصية.

لا يمكن أن نتصور مجتمعا لا يحترم فيه القانون، ولا تتحقق فيه العدالة، وإلا لكنا نعيش في عالم الغاب فعليا، كما أن تطبيق القانون يستلزم موضوعية التنفيذ، ابتداء من إجراءات محددة، ونهاية بأحكام عادلة تجعل الناس يحترمونها، حتى ولو كانت ضدهم.

إن التهاون في تطبيق القانون يجعل الناس تتجرأ على الدولة مثلما يكون التطبيق غير العادل له يجعلهم لا يثقون بها، وهنا يستلزم مراجعة الإجراءات والأحكام التي تجعل الخارجين عن القانون يحصدون البراءة، بينما من لم يرتكب الجرائم يحصد الإعدامات ويقبع خلف القضبان لسنوات كثيرة.

بعد ذلك سيثق الناس بعدالة دولتهم، وسيسهل عليهم احترام إشارات المرور، وسيقفون في الطوابير، ولا يأخذ أحد مكان الآخر، وستتوقف الرشوة تلقائيا؛ لأن الراشي سيعلم أنه سيحاسب على رشوته والمرتشي سيجازى في عمله.

البحث عن الطريق ليس صعبا، لكن السير فيه هو الذي يحتاج إلى مجهود ووعي، ومن المؤسف أننا حتى اليوم لا نزال نضل الطريق، ولازلنا نعتقد بأنه يمكن، عن طريق المظاهرات والاعتصام والهاشتاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، تغيير مجتمعنا، والحقيقة أنه لا تغيير بدون أن نتغير نحن أولا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد