التاريخ ما كان يومًا مادةً صماء تنتقل من صفحةٍ إلى صفحة، ومرجعٍ إلى مرجع من أجل التأريخ فقط، ومراقبة الأحداث بعينٍ مجردة لا تتحسس معاني الكلمات والألفاظ. التاريخ لم يكن في أي حقبة من حقب الزمن المستنير مصدرًا للمتعة فقط، ووسيلة للحياد بعقول العامة عن الدرب الصحيح. فالتاريخ لم يوجد من أجل هذا، بل وُجِدَ ليكون مصدرًا ودستورًا ومرجعًا ليعود إليه الأخلاف ويتصفحوا درب الأسلاف، ويتفقهوا مختلف دروبهم، فيدركون حكمةً أنقذت يومًا أمةً، وينبذون فكرًا كان السبيل لغرق أمةٍ أخرى. التاريخ -ما لم يحرف- هو جمعٌ لخبرات من سبقوك، وشاهد على محاسنهم وزلاتهم في آن واحد. فعليك بالتاريخ لا من أجل الحفظ والتلقين، بل من أجل الاستفهام والتحقيق والتدقيق. وهنا سنفتح معا صفحة من صفحاته، ونمعن الفكر في أحد حلقاته.

لم تكن شبه جزيرة أيبيريا قبل 92 هجريًّا سوى أرض يحكم شعبها سفاح أجار بعصبته على الحاكم والقائد السابق للقوط غيطشة. انقلب لوزريق على سيده فقتله، وصادر أضرحته، وممتلكات أولاده. فما كان مهنم إلا أن هربوا خوفًا من بطشه إلى سبتة «شبه جزيرة مطلَّة على حوض البحر الأبْيض المتوسّط، تقع في أقصى الشمال الغربي لأفريقيا» وحاكمها يوليان صديق وحليف أبيهم غيطشة الذي أُخِذَ غدرًا بيدِ لوزريق.

منذ عهد الخلفاء الراشدين لم يستطع المسلمون فتح القسطنطينية «إسطنبول حاليًا» عاصمة الدولة البيزنطية. فلم تكن تلك المدينة كغيرها من الأقطار الرومانية الأخرى التي استطاع الإسلام فتحها وهداية أهلها. فكان وقوعها عند مُلتقى القارتين آسيا وأوروبا، وإحاطة البحار بها من ثلاث جهات، بالإضافة إلى امتلاكها أحد أقوى الموانئ في التاريخ، وهو ميناء القرن الذهبي الذي يُعد أوسع وآمن ميناء في العالم في ذلك الوقت سببًا في أن تظل حصينة منيعة على المسلمين حتى منَّ الله عليهم بفتحها عام 1453 ميلاديًّا/ 857 هجريًّا في عهد الدولة العثمانية، وتحت قيادة محمد الفاتح.

كانت محاولات فتح القسطنطينية دائمًا ما تتم من ناحية الشرق من خلال الشام وسوريا، لكن كُللت جميعًا بالفشل، وذلك للجغرافيا المنيعة للحدود الشرقية للقسطنطينية. لم يتفتق ذهن أحد بأن قد يكون هناك مسار آخر حتى تولى عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- خلافة الدولة الإسلامية، إذ رأى أن غزو إسطنبول سيكون من الناحية الجغرافية أيسر، إذا ما تم من خلال أوروبا، إذ قال «إذا أردنا فتح القسطنطينية فلن نفتحها إلا من أوروبا»، ولكن لكي تحقق ذلك عليك تخطي أوروبا بأكملها من الأندلس غربًا مرورًا بفرنسا وبلاد الفرنجة بأكملها، حتى عاصمة وملاذ الدولة البيزنطية شرقًا.

وفي عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، تولى موسى بن نصير قيادة الجيوش الإسلامية لشمال أفريقيا. وكانت شمال أفريقيا تقبع في تلك الحقبة من الزمن تحت سيطرة الدولة الإسلامية منذ أن فتحها عقبة بن نافع عام 23 هجريًّا، لكن لم يُكتب لتلك المنطقة الاستقرار قط؛ وذلك كان للانقلاب الدائم للبربر «الشعب الذي كان يسكن المغرب، وتونس، وليبيا في ذلك الوقت» على المسلمين، حتى وصل بهم الأمر إلى أن قتلوا عقبة بن نافع.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «لتفتحنًّ القسطنطينية، فلِنعمَ الأميرُ أميرُها، ولنعمَ الجيشُ ذلكْ الجيشْ».

لم يغب أبدًا عن ذهن موسى حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم- وكان يحلم دومًا بفتح القسطنطينية و الفوز بالأجر. ورأى أن نظرية عثمان بن عفان هي الأنسب، فأوروبا هي السبيل الوحيد إلى القسطنطينية، ومفتاح أوروبا هي الأندلس، ولكي تصل إلى الأندلس عليك أن تُسخّر شمال أفريقيا والبربر طوع أمرك حتى لا ينقلبوا ضدك، ويكونوا شوكة تطعنك في ظهرك فتنحصر بين قوات القوط شمالاً والبربر جنوبًا.

فعندما تولى موسى زمام الأمور، سأل نفسه لم الارتداد الدائم للبربرِ على الإسلام وقتلِهم عقبة بن نافع في القيروان، وكانت الإجابة أن عقبة كان يفتح البلد سريعًا ويتركها دون أن يحمي ظهره وعلى عكسه سار موسى. فأعاد فتح أفريقية في ست سنوات كاملة بعد أن فتحها عقبة من قبل في عدة أشهر، ولم يكتف بذلك بل سعى إلى التعايش. تعايش يمزج البربر بالعرب ويمكنهم من حكمِ أنفسِهم. فأرسل إلى التابعين يستحثهم لكي يأتوا ويعلموا البربر أصول الدين، وكلف من أسلم من البربر بولاية المدن لكي يُمحى من أذهان الأمازيغ أنه جاء للاحتلالِ، وولَّى طارق بن زياد واليًا على طنجة.

وفي عام 85 هجريًّا، استقرت الأوضاع واستقام الأمر لموسى في شمال أفريقيا. وأصبح الشغل الشاغل له هو كيفية تحقيق حلمه وحلم عثمانِ بن عفان من قبله بفتح أوروبا، ومنها تنطلقُ الجيوشُ لفتحِ القسطنطينية (تركيا حاليًا). ولكن العقبات كثيرة؛ فلم يكن لديه من السفن ما يكفيه لعبور البحر المتوسط، وكانت الجيوش غير كافية لمواجهة جحافل القوط الذي يبلغ عددهم عشرات الآلاف، وكانت هناك مدينة على سواحل البحر المتوسط من جهه المغرب تُدعى سِبتة؛ لم يستطع العرب دخولها قط لجغرافيتها المنيعة، فخاف موسى أن يبحر نحو الأندلس فيهاجمه أهل سبتة من ظهره، وبالإضافة إلى هذا كله جهله بجغرافية الأندلس، وكانت الأنباء تترامى بصعوبة اقتحام الأندلس لطبيعتها الجبلية وانتشار البحيرات والأنهار بها.

كان يوليان حاكم سبتة عدوًّا للوزريق؛ لِما فعله وارتكبه في حق غيطشة، فأرسل إلى موسى بن نصير يعرض عليه دخول سبتِة، وإمداده بما يحتاج إليه من السفن ومن المعلومات الجغرافية عن الأندلس في مقابل أن يعيد إليه المسلمون ما سيطر عليه لوزريق من ممتلكات غيطشة، فوافق موسى بن نصير، وأمر طارق بالتحرك نحو الأندلس، وبدأ الحلم.

أبحر طارق بن زياد بسفن يبدو عليها الطابع التجاري، وأرسلها دفعةً دفعةً نحو الأندلس، ولم يتجه إليها مباشرة بل أخذ يطوف ويجول لكي لا يلفت الأنظار. ثم نزل بالأراضي الجنوبية عند جبل طارق. ولم يتوقف طارق للراحة، بل انطلق مسرعًا كي لا يُحرمَ من فرصة المباغتة، وبالفعل باغت الحامية القوطية القليلة التي كانت تقبع في تلك المنطقة؛ فلم يكن أحد يتوقع الهجوم من هذه المنطقة الجبلية. كان هذا في بداية شهر رمضان عام 92 هجريًّا.

وبالفعل تقهقرالجيش الجنوبي للأندلس، وأرسل قائد الجيش المُنهزم إلى لوزريق مستنجدًا في طليطلة العاصمة يقول له: «أدركنا يا لوزريق فقد وقع علينا قوم لا نعلم هل هم من أهل الأرض أم من أهل السماء، فهم في الصلاة كالرهبان، وفي القتال كالمحاربين الأشداء، لا يثيرهم مغنم ولا يعير انتباههم مال».

غضب لوزريق، وجمع جيشه، وتحرك بـ100 ألف من الرجال من طليطلة ليواجه جيش طارق، ولم يكن الجيش الإسلامي يتعدى 7 آلاف مقاتل. فأرسل طارق إلى موسى يطلب العون، فأمده بـ5 آلاف آخرين، وتحرك بهم نحو وادي برباط حيث موقعة برباط. اختار طارق تبة عالية ببرباط وعسكر عليها؛ فالجبل على يمينه، والبحيرة على يساره، ومن خلفه حامية يقودها طريفة بن مالك لحماية ظهر الجبش، ووصل لوزريق بجنود غفيرة وبغال من حوله أحضرها لكي تجر المسلمين بعد الحرب.

أثار الموقف الغل والغيظ في نفوس المسلمين، ولكن لم تأخذهم الحماسة، وانتظروا القوط فوق التبة ليصعدوا إليهم مُجهدين فيقتلوهم، واستمرت المعركة ثمانية أيام، وانتهت بمقتل لوزريق، وفرار القوط، وانتصار ساحق للمسلمين، ولكن استشهد 3 آلاف من الجنود.

أرسل طارق إلى موسى بن نصير يخبره بما حققه، ويعلمه بأنه سوف يكمل الزحف. فأرسل له موسى يأمره بالتوقف. لكن طارق لم يستمع إليه، وانطلق نحو الشمال إلى قرطبة، ومنها إلى إشبيلية ثم طليطلة العاصمة. وفي نهاية عام 95 من الهجرة، كانت الأندلس أمةً تابعة للخلافة الأموية. ولكن لماذا العصيان، ولماذا لم ينصع طارق لأوامر موسى بن نصير؟

كان موسى يخشى تكرار ما حدث في شمال أفريقيا عندما فتحها عقبة سريعًا. ولكن بعد الحرب كانت الجيوش القوطية مفرقة، وبلا قائد، وكان الطريق إلى طليطلة ممهدًا. فإذا انتظر طارق سيجمع القوط حشدهم مرة أخرى. كما أن طليطلة مدينةً حصينةً لم تُفتح في التاريخ سوى مرتين، وكان عنصر المفاجأة سببًا رئيسيًّا في فتحها. وفي اللقاء الأول بين موسى وطارق بعد الفتح، دار بينهما حديث عنيف، إذ عده موسى بأنه عصى أوامر عسكرية كادت أن تودي بالجيش الإسلامي، ولكنه عندما استمع إليه أدرك أنه كان على خطأ، وهنأه على الفتح. ثم قرر موسى أن يكمل الحلم. فجمع الجيش، وأصدر القرار بالتحرك نحو القسطنطينية. ولكن لكي يصل إليها كان عليه أن يواجه فرنسا، فإيطاليا، ثم يوغسلافيا، فرومانيا، وبلغاريا وفي النهاية تركيا.

عندما سمع الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي في الشام بتطلعات موسى أرسل إليه أمرًا «احضر أنت وطارق في الحال». وأمرهم بوقف الفتح والاكتفاء بالأندلس، بل حدد إقامتهم في دمشق لا يخرجون منها ولا يعودون للأندلس قط.

ضاع حلم القسطنطينية، ولم تُكتب لها أن تُفتح في عهد موسى بن نصير. من يقرأ صفحات التاريخ ويستمع إلى ما فعله الوليد يرى أنه أضاع على المسلمين فرصة لم تُعوض حتى يومنا الحالي. كان الجيش الإسلامي على قرابة فتح أوروبا بأكملها وضمها تحت سطوة الخلافة والدولة الإسلامية، ولكن الخليفة الأموي الوليد كان يرى أن التعايش لا يمكن أن يتحقق بوجود أمة واحدة تحكم العالم، خاصة بعد ما امتد الفتح في عصره من الهند والصين شرقًا حتى المغرب العربي والأندلس غربًا.

قضى موسى ما تبقى له من الأيام بدمشق؛ محددة إقامته غير مسموحٍ له بالخروج منها. حتى عندما أراد أن يؤدي فريضة الحج أرسل إلي الخليفة فرفض، وقال له «لن تحج إلا معي و بصحبتي»، وحج معه موسى، ومات هناك، ودُفِنَ بالمدينة المنورة. أما طارق فتقول بعض الروايات أنه مات وحيدًا في دمشق.

عُلِقت الأقلام، وجُفَّت الأحبار، وأُغلِقت صفحةٌ من صفحات التاريخ، صفحة دونت مجدًا وعزة، صفحة لم يعبأ بها من جاؤوا من بعدها، فغضوا البصر عنها، ولم ينتفعوا بها، فعاشوا مخربين هادمين في ردة حضارية وجهل أفقد العقول صوابها، فأفسد على القلوب صوابها، واكتفوا فقط باتخاذها متكأ يلجأون إليه فخرًا كلما أرادوا الرفع من قيمة نفوسهم المريضة أمام أسياد عصرهم، ولكن أهذا هو التاريخ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأندلس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد