“إننا لا نحيا لنكون سعداء، ولكن لأداء ما طلب منا”.
طه حسين، إلى زوجته سوزان.

 

يفرق ميلان كونديرا في رواية الخلود بين مفهومين: الطريق والدرب. الطريق هو شارع يصل بين نقطتين (أ – ب)، تستخدم الطريق لتصل إلى ب ولا شيء غير ذلك. الدرب هو احتفاء بالمكان، بكل لحظة على طول المسافة بين النقطة: التي انطلقت منها، والنقطة التي تريد الوصول إليها.

 

يطبق كونديرا التفرقة بالفعل في الخلود: هي ليست رواية بالمعنى العادي، هي احتفاء بالكتابة. لا تشويق هنا، ولا أحداث نريد أن نعرف لها نهاية، لأننا عندما نقرأ رواية فنحن لسنا بصدد “سباق دراجات”، كما يقول كونديرا بنفسه كأحد شخصيات الرواية.

لا يعرف الكثير ممن قرأوا لفرويد أنه مات منتحرًا. اشتد عليه ألم سرطان الفك، هو يعرف أن النهاية قد اقتربت وبالتالي لا جدوى من إطالة الألم، طلب من أحد أصدقائه الأطباء أن يعطيه جرعة زائدة من المورفين لينهي حياته.

 

قد يجادل البعض أن ما فعله فرويد ليس انتحارًا؛ لأنه من الناحية التقنية لم يقتل نفسه. لكن شرط الانتحار الأساسي: القرار الواعي بإنهاء الحياة، وهو حاضر بقوة هنا. المنطق وراء قرار فرويد، وكونه حساب دقيق للتكلفة والفائدة، كان كافيًا للبعض ليعتبروا أن فرويد قد مات ولم ينتحر.

 

“انتحر روبن ويليامز لأنه كان مكتئبًا”. هنا تنزع العقلانية من قرار الانتحار عن طريق إقرانها بالاكتئاب كسبب أساسي. اهتمامي الأساسي هنا هو إعادة الاعتبار للانتحار، النظر إليه كقرار عقلاني من الممكن للغاية أن يتخذ عن وعي يتحمل مسئوليته الشخص المنتحر، وألا يتم تمييع هذا القرار عن طريق نسبه لأسباب خارجة عن الشخص المنتحر كشرط للتعاطف معه، لأننا لن نتعاطف مع فعل لا يتناسب مع ما نؤمن به.

 

يختلف الانتحار عن الموت العادي في أنه في حد ذاته رسالة أخيرة للعالم، حكم إدانة ضده. لا يهتم المنتحر في معظم الحالات بأن يحمل موته أي رسالة، يقع عاتق تفسير اختياره للموت بهذه الطريقة على الأحياء.

 

يختار الأحياء نسب الانتحار في الغالب إلى الاكتئاب أو الجنون. حسنًا، هناك أسباب نفسية وراء كل ما نفعل. يقرر الناس اعتبار السبب النفسي “وثيقة إخلاء مسئولية عن الفعل”، عندما يقترن الأمر باعتقادهم أن المرض النفسي مسبب للجنون. الاكتئاب في حد ذاته ليس قرينًا للجنون، يتعايش الكثيرون مع درجات مختلفة منه. يكتسب الاكتئاب تلك القوة المفاجئة فقط عندما ينتحر المكتئب.

 

هنا، القوة ليست خاصية لدى الاكتئاب في ذاته، وإلا لحددنا من البداية درجة الاكتئاب التي يمكن عندها اعتبار حياة الشخص في خطر والتدخل لإنقاذه، تلك القوة جائت تحديدًا نتيجة لانتحار الشخص، ارتفعت منزلة الاكتئاب بشكل بعدي.

 

يتم النظر هنا للمرض النفسي كعلة وليس كعامل، الوعي الذي يفصل بين المرض والفعل، الوعي الذي هو أداة الاختيار وأداة تحمل المسئولية، الوعي كمحدد يفصل بين الإنسان وبين أي شيء آخر في العالم محكوم بصرامة العلة والأثر، يتقرر هنا أن الوعي غير موجود هكذا بضربة واحدة. أنت انتحرت لأنك كنت مكتئبًا، لا وعي لك، أنت لم تختر هذا، يمكننا الآن أن نتعاطف معك لأنك ضحية.

 

المشكلة أن القيمة الأساسية للتعاطف هي أنه يوجه ناحية المختلف عنّا، فيما عدا ذلك هو صورة من صور الحب للذات، ولا يدرك أنه كذلك، وفي جهله هذا يطلب أيضًا أن نتعامل معه كموقف إنساني يستحق الثناء.

 

يكلمنا الشيخ العريفي أن روبن ويليامز انتحر لأنه افتقد لذة “إياك نعبد وإياك نستعين” في نظره، الخواء الروحي هو السبب وراء حالات الانتحار المتكررة في الغرب. يجادل بأن المسلمين في بورما يمرون بظروف أقسى مما يمر بها أي غربي، لكنهم لا ينتحرون.

 

الشيخ لا يعرف، أو ربما يعرف، أنه لا وجود لدراسات موضوعية لحالات الانتحار في الوطن العربي. يفضل أهالي المنتحرين أن يخفوا أمر انتحار ذويهم وينسبوا انتحارهم إلى حوادث قدرية؛ لأن المجتمع لا يرحم. بشكل شخصي، أعرف 3 حالات انتحار في محيطي الضيق للغاية.

 

تكلم الأهالي في الثلاث حالات عن أن أبناءهم (أو والدتهم في أحد الحالات) قد توفوا نتيجة حوادث عابرة. عمنا الشيخ، ينتحر المسلمون، لأنهم بشر، أنت فقط لا تعلم بذلك؛ لأن أمثالك جاهزون بأحكام إدانة ضدهم.

 

النقطة الأخرى، المتعلقة بجوهر طرح العريفي، أن الغربيين ينتحرون بكثرة لأنهم خاوون روحيًّا. حسنًا، ربما لديه بعض الحق هنا. يلاحظ أن الغربيين في دول تصنف على أنها دول رفاهية (السويد كمثال واحد) ينتحرون بمعدلات كبيرة.

 

النقطة أن انتحارهم ليس حكم إدانة على مجتمعاتهم كمجتمعات تعيسة، وإنما تحديدًا لأنهم يعيشون في مجتمعات سعيدة للغاية، وبالتالي تتجذر كآبتهم لأنهم محاطين بأناس سعداء، بحسب دراسة نفسية. يحب الشيخ العريفي وأتباعه أن يعتقدوا، على طريقة أن الحياة 24 قيراط، أننا سعداء برغم تخلفنا، وهم تعساء برغم تقدمهم؛ وبالتالي العالم مكان عادل، في هذا بعض العزاء لهم لكنه لا شأن له بالصحة.

من الممكن قراءة الدراسة التي تتناول هذا الموضوع هنا

 

هل كان روبن ويليامز سعيدًا في حياته؟ لا أعرف. أعرف فقط أن السعادة ليست شرطًا لحياة ذات معنى، وأن المعنى ليس بالضرورة كامنًا في السعادة. لا أعتقد أن روبن ويليامز قد اشترط على نفسه أن يستيقظ من نومه سعيدًا لكي يصنع سعادة الآخرين من خلال ما يقدمه.

 

قبل انتحاره بعدة شهور، سجل ويليامز رسالة لمريضة بالسرطان، هو الذي يبدو أنه كان يصارع الاكتئاب، بالإضافة لمسيرة فنية متعثرة، وجد في داخله ما يكفي من طاقة لكي يتسامى فوق كل ما يمر به ليصنع شيئًا ذا معنى، “ما طُلب منه” بتعبير طه حسين، بدافع الواجب الداخلي.

 

 

تتحرك السعادة من كونها هدف من الحياة لكونها حجة ضد الحياة ذاتها: لن نفعل كذا، مهما كان ذا معنى، لأن كذا لن يجلب لنا السعادة. خطورة تلك الفكرة أنها لا ترغب في الحياة، كمجموعة تجارب لها معنى، بقدر ما ترغب في حالة واحدة لا تتغير.

 

الحياة تمتلئ باحتمالات يحجبها البحث عن السعادة. قد ينظر إلى الألم والاكتئاب كأشياء لا نرغب فيها، لكنها جزء من ثراء الحياة الذي يجب أن يعاش، لكي يتشكل وعينا أساسًا بما يمكن أن يحدث فيجعلنا سعداء، وتشكل كذلك وعينا بتجارب الآخرين وبما يمرون به، وهذا أمر ضروري لأن وجودنا دائمًا هو وجود مع الآخرين حتى في وحدتنا.

 

لأننا في هذه الوحدة لا ننفي الآخر بقدر ما نستحضره بشروطنا نحن وكما نريده، وليس كما يريد هو.

 

المشكلة الأخرى التي تطرحها فلسفة البحث عن السعادة هي أنها تطرح مفهومًا ذا طبيعة مزدوجة لها: مفهوم النهايات السعيدة، المضمونة نتائجها.

 

الحكم على التجربة بنهايتها يستبطن التعامل مع الحياة كطريق وليس كدرب. الطريق الذي يسم كل ما بين النقطة أ والنقطة ب بعدمية مميتة. لا قيمة لأي شيء بدون الوصول للنقطة ب المتمثلة في مفهوم صارم عن السعادة، إذا لم يتحقق يصبح كل شيء بلا قيمة ومضيعة للوقت.

 

المخاطرة هنا أكبر بكثير من مخاطرة السير في الطرق الغير مأمونة. ليس ذلك فقط، لكنها تهزم نفسها بشكل ما في تجاهلها لإمكانية وقوع السعادة كحدث جانبي.

 

السعادة غير المتوقعة، التي تحدث فجأة فتغمرنا، هي أعظم أنواع السعادة لأنها لا تنشغل بالسؤال الهيستيري الذي لا يؤدي للرضا بقدر ما يورث القلق.

 

السعادة التي تعتمد على “التجلي لا المحاولة”، الانفتاح على احتمال الألم، كما على احتمال على السعادة هو انفتاح على الحياة ذاتها، واحتفاء بها في ذاتها بكل ما لديها لتقدمه لنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد