تحركت المحفة سريعًا برائد الفضاء الذي تنزف الدماء من كل أجزاء جسده، تشكك الطاقم الطبي الذي يدفع النقالة بأن هناك إمكانية لإنقاذه، خصوصًا مع ذراعه وقدميه المبتورتين، والفراغ الموجود محل عينه اليسرى.

كان الأمل الوحيد في تقنية من نوع خاص، هي استبدال كل ذلك بأطراف آلية، ودمجها بأعصابه ليستطيع التحكم فيها وكأنها أعضاؤه الحقيقية، وخرج الرجل في صورة أخرى خارقة ليبدأ الإثارة الحقيقية.

هذا قبس من أحداث فيلم The Six Million Dollar Man (رجل الستة ملايين دولار)، والذي لم ينتظر عقودًا كثيرة حتى أصبح حقيقة، وتمكن العلماء من تركيب ذراع لسيدة تعاني شللًا، تستطيع تحريكه بمجرد التفكير، بنفس قدرة رجل الستة ملايين دولار مع بعض الاختلافات، وهي أن العلماء يرغبون في استخدام التقنية اللاسلكية بدلًا من الاضطرار لوصلة بين رأس المريض والطرف الصناعي.

منذ سبعينات القرن الماضي عكف العلماء على فكرة النصف آلي هذه من خلال ما عرف بـ (مشروع  سيبورج Cyborg). سعى العلماء منذ عام 1984م في اتجاه آخر،هو محاولة دمج الخلايا الحية بالآلية، في الحقيقة لم تكن خلايا كائنات حية تمامًا، بل بالأحرى موادًا كيميائية حيوية، وأقصى تطبيق نجح به العلماء في هذا الصدد، هو جهاز موجود في أغلب السيارات المرسيدس الحديثة يسخدم جزءًا من النظرية، ويطبقه في منع الاصطدام بالسيارات الأخرى في أثناء انطلاقها، ولديه مهارة المناورة أثناء القيادة إلى حد ما، دون الاستعانة بالعنصر البشري.

ومع ذلك يوجد من يتوجس من مستقبل هذه التقنية، تقول دونا هاراواي في (إعلان مبادئ الكائن السيبرنطيقي) (1985) إننا نعيش في عالم الكائنات السيبرنطيقية أي عالم الاندامج بين البشر والآلة، الذي نعجر عن التمييز فيه بوضوح الفرق بين المصطنع والطبيعي، ويتراوح هذا الكائن بين الإنسان الذي استبدل بأي عضو من جسمه عضوًا صناعيًا آخر وبين الإنسان الآلي المكسو بطبقة رقيقة من الجلد. فآلاتنا أصبحت تتميز بالحيوية الفائقة بدرجة مقلقة، أما نحن فأصابنا الكسل والخمول بطريقة مخيفة.

 الذكاء الاصطناعي،هل يستطيع التفوق على الذكاء البشري؟

ننتقل إلى شق آخر من علاقتنا بالآليين، لن نتحدث عنهم، وهم يكملون الناقص من أجسدانا، بل سنستفيض عنهم كمنافسين مستقبليين شرسين لعقولنا. بدأ العلماء منذ القرن العشرين بمحاولة إكساب الحاسب حدًا أدنى من الوعي والذكاء الخاص بالبشر، وفشلوا.
حاولوا بعدها مع محاكاة الحيوانات الأقل تعقيدًا مثل الحشرات أو القرود، وأيضًا فشلوا في ذلك الحين.

ويقول (كولن ماكفن) من جامعة روتجرز إن الذكاء الاصطناعي “مثل رخويات تحاول إجراء التحليل الفرويدي، إنها ببساطة لا تمتلك الأدوات الفكرية لذلك”. لو فكرنا في إجراء مقارنة توضح ما نتحدث عنه، فإن السرعة التي تنتقل بها المعلومات في الحاسوب قريبة من سرعة الضوء (189 ألف ميل بالثانية) أما الدماغ البشرية فهي أبطأ بكثير (تقريبًا 200 ميل بالساعة).

ولكن العقل البشري يتميز بأنه يعمل بالتوازي وليس بالتتابع كالحاسوب، نحن نمتلك مليارات الأعصاب تعمل كلها معًا في نفس الوقت. رؤية الحاسوب أقوى من رؤية الإنسان لكنه لا يفهم ما يرى، فهو يحول كل الأشكال التي يراها إلى نقاط ثم إلى أشكال هندسية (خطوط، مربعات، دوائر) ويقارنها مع الأشكال المخزنة في ذاكرته (بعملية تأخذ الكثير من الحسابات) والتي قد تتطابق مع شكل كأس أو طاولة أو غيرها، مقارنة مع عقل أي طفل صغير الذي لو دخل أية غرفة سيتمكن من معرفة الأشياء الموجودة وإدراكها بجزء من الثانية.

سنة 1997م شهد علامة فارقة، حيث فاز حاسب من طراز (ديب بلو) على بطل الشطرنج العالمي غاري كاسباروف، لكن البعض يقلل من علاقة ذلك بإحراز الآلة تقدمًا في سباق الإدراك، لدرجة أننا سمعنا عقب الفوز، التعقيب الشهير لعالم الحاسوب دوغلاس فشتادتر: “يا إلهي، اعتقدت فيما مضى أن الشطرنج يحتاج إلى تفكير، لكني لا أعلم الآن أنه لا يتطلب ذلك”.

تشعب العلماء بين تعليم الآلات سلم البديهيات بإحدى الطريقتين؛ من أسفل إلى أعلى، أم من أعلى إلى أسفل، في الحالتين لا يتوقع أن تحقق جهودهما نجاحًا معقولًا قبل أربعين عامًا، ولا يتوقع بل جيتس مؤسس شركة ما يكروسوفت فترة أقل من ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد