ما انفك العالم منذ شهرين يعرب عن قلقه إزاء أزمة إنسانية مستمرة في ميانمار، وبالتحديد ما يحصل ضد المسلمين الروهينغا في ولاية أراكان من قتل، وحرق، وتعذيب، واغتصاب، وتهجير قسري من قبل القوات الحكومية والمتطرفين البوذيين.

لقد رحل الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون وفي جعبته الكثير من القلق، وكان رحمه الله كثيرًا ما يقلق من الأزمات الإنسانية التي تحصل في العالم؛ حتى كاد أن يلقى حتفه بسبب قلقه لولا أن نجاه الله، وبالطبع كان للروهينغا نصيب من هذا القلق المستمر.

خلفه من بعده أنطونيو غوتيريش، فحاول كثيرًا أن يبتكر منظومة فعل مختلفة عن سلفه ليعرب عن شيء آخر على الأقل، وأدلى بتصريحات أكثر جرأة من رفيقه؛ لكنه مع مرور الوقت اكتشف أن عمله لا يتجاوز الإعراب عن القلق، وإصدار البيانات؛ ولذلك، وأقصد الأمم المتحدة، أصبحت الآن جديرة بأن تلقب بهيئة الأمم القلقة.

إن تاريخ الأمم المتحدة طويل في الإخفاقات، والمماطلات، والنفاق، والانحياز إلى صانعي القرار في الدول العظمى في العالم، ولا يذكر أنها حلت أي قضية إلا برغبة تلك الدول لوجود مصلحة فيها لهم، وغير بعيد قضايا الفساد التي تورطت فيها هذه المنظمة غير مرة.

ولربما يتبادر إلى أذهاننا سؤال جدلي: إذن لماذا نتحاكم إليها ونستأنس برأيها ونهتم لأمرها ونستدل بتقاريرها؟

إن الحقيقة المرة التي نحاول أن نكذب بشأنها وأن نتجاهلها هي أننا في دول العالم الثالث لا خيار لنا، ولا مشورة، ولا قرار، ولا رأي دون تلك الدول العظمى التي تستعمل المنظمة كإحدى أدوات الضغط الدولي بحكم قوتها وسيطرتها على من دونها، متظاهرة بالديمقراطية، والحرية، والعدالة، والإنصاف.

هذا العالم الغربي منافق بامتياز؛ فهو من أطلق قيم الديمقراطية والحرية ونادى بها، غير أنه يأكلها إذا جاع، ويتجاهلها إذا ملَّ، ويحرقها إذا أتت بغير ما يشتهي. ومن أجل أن يحكم قبضته على من دونه خلق لهذه المنظمة هيبة ومكانة دولية يلوح بها ضد خصومه ووفق مصالحه، فمتى ما تقاطعت مصالحه مع قيمه انتصر لمصالحه، وإن لم تتقاطع؛ اتخذ من قيمه سلاحًا ضدك كي يخضعك.

إنك اليوم لا محالة واقع في شرك كبير أنت ضحية فيه في كل الأحوال، فلا خيار لك لأنك ضعيف لا تملك القرار، ولا تملك مكانًا حيويًّا في هذه المنظمة كي تؤثر، ولا أدوات أخرى كي تتقوى بها.

لا أنكر أن كثيرًا ممن يعمل فيها مخلص يريد الحق والعدالة؛ لكن الخيوط الرئيسية تديرها أطراف لا قبل له بها ولا حيلة، ويترك لمثل هؤلاء مساحة للعمل، حتى إذا ما وصلوا للخطوط التي تتقاطع مع مصالح الكبار تم إيقافهم.

في الشأن الروهينغي تحديدًا ظهر كم هو مراوغ هذا المجتمع الدولي؛ إذ إنه على الرغم من مقتل الآلاف من الروهينغا، وفرار أكثر من نصف مليون شخص عجز ما يسمى بمجلس الأمن الدولي عن اتخاذ أي قرار ضد حكومة ميانمار، بالرغم من عدة جلسات علنية ومغلقة، وذلك بسبب وجود أطراف كبيرة مثل الصين وروسيا تعارض هذا القرار لأسباب سياسية تتعلق بالنفوذ، والاقتصاد، والمصالح المشتركة مع ميانمار، وأطماع الولايات المتحدة في المنطقة.

آخر مفاجآت الأمم المتحدة ما جاء على لسان جيوتي سانجيرا مسؤولة آسيا والمحيط الهادي في مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن الأمم المتحدة لم تقرر بعد ما إذا كان العنف ضد الروهينغا المسلمين في ميانمار إبادة جماعية. وهذا على الرغم من أن مسؤولين آخرين مثل الأمين العام نفسه أنطونيو غوتيريش، ومندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة السفيرة نيكي هيلي، والمفوض الأمير زيد بن رعد الحسين، وغيرهم أدلوا بتصريحات أخرى ذكروا فيها مصطلح الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتهجير القسري والممنهج من قبل حكومة ميانمار، إضافة إلى ارتفاع أعداد القتلى، واللاجئين الروهينغا إلى أعداد كبيرة، ووجود أشهر تصريح لها بأن الروهينغا أكثر شعب تعرض للاضطهاد في العالم.

ومثالًا على ممارسات وقعت داخل الأمم المتحدة، والتي تؤكد ضلوعها في كثير من الأحيان في السكوت عن جرائم ميانمار، وعرقلة الجهود التي تدينها، ما حصل من مسؤولة الأمم المتحدة في ميانمار ريناتا لوك- ديسالين إذ كشفت مصادر في الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة لبي بي سي أن هذه المسؤولة حاولت وقف مناقشة قضية حقوق مسلمي الروهينغا مع حكومة ميانمار، وحاولت منع مدافعين عن حقوق الإنسان من زيارة مناطق الروهينغا المهمة.

وهذه المحاولات والعراقيل ليست وليدة اليوم مثل ما يذكر التحقيق؛ بل من أربع سنوات قبل وقوع الأزمة.

المثال الآخر على فساد هذه المنظمة ما أعلنته صحيفة «الغارديان» البريطانية، عن أن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، سحب تقريرًا بالغ الأهمية، يكشف عن تفاقم أزمة الجوع وسط أقلية الروهينغا المسلمة، بعد أن طلبت حكومة ميانمار ذلك. وأشارت الصحيفة إلى أن الوثيقة المكونة تم استبدالها بعد ذلك ببيان أكد ضرورة عدم الاستشهاد بالتقرير بأي شكل من الأشكال.

دليل آخر أيضًا تذكره صحيفة «الغارديان»؛ إذ قالت إن الأمم المتحدة تكتمت على تقرير داخلي ينتقد استراتيجيتها في التعامل مع مأساة الروهينغا، ويقول مؤلف التقرير ريتشارد هورسي إنه تقدم بتوصيات من أجل حل أوضاع الروهينغا؛ لكن مصادر في الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية، كشفت عن أن المنظمة تجاهلت التوصيات، وتكتمت على التقرير، ولم توزعه على وكالات الأمم المتحدة؛ لأن «ريناتا لوك- ديسالين لم يعجبها التحليل».

مجلة «فورين بوليسي» أيضًا نشرت مقالًا للكاتب كولام لينش ذكر فيه أنه لأكثر من ثلاث سنوات، كان هناك عدد من الأصوات المحذرة من داخل الأمم المتحدة من الخطر الذي تواجهه الأقلية المسلمة في ميانمار، لكن هؤلاء المنتقدين واجهوا مقاومة شرسة من أكبر المسؤولين في الأمم المتحدة.

هذه الأحداث والمؤشرات، وهي غيض من فيض، تدل على فساد هذه المنظمة، وفساد النظام الأخلاقي الدولي، والعتب هنا ليس عليهم؛ بل على أنفسنا لأننا ارتضينا الذل، ولم نقم بما يجب القيام به من أجل أن ننهض بها، ونخلق لها موضعها ومنزلتها، والحياة كمباراة كرة قدم، إن عجزت عن تسجيل هدف في غريمك ولم تسلح دفاعاتك كما ينبغي؛ لن يتوقف هو عن فعل ذلك، وإنزال الهزيمة بك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد