«لو كان ابنك عشرينيًّا مقبلًا على الزواج ولديك مبلغ من المال يكفي لتزويجه إلى فتاة أحلامه المفترضة، أو السفر لأداء فريضة الحج، لكانت الأولى خيرًا لك وله»… هذا ليس اقتباسًا شرعيًّا من أي مصدر بل خلاصة فهمي لفريضة الحج العظيمة.

وأقرنها من باب صدق مع معتقد جدي أحد الفدائيين الفلسطينيين القدامى، الذي استشهد نتيجة الحصار على مخيم اليرموك، جاء فيه «أن الحجة لا تحتسب كاملة من دون تحرير المسجد الأقصى».

على رسلكم فأنا لا أزال معتنقًا تلك المعتقدات، وبالطبع لست عرافًا بما يكفي في فقه ديني الإسلامي الحنيف، أو شيخًا متدينًا، لكنني سأحاول أن أكون عقلانيًا.

والحديث هنا لا يدور عن مدى صحة أداء الفريضة من عدمه فأنا لست فقيهًا، ولا عن تعاليم الحج فأنا بحاجة أكثر للتعرف عليها. بل كل ما في الأمر هو مقاربة بين حشد يتجمهر في عزوتنا المقدسة مكة المكرمة وما حولها، بحشود من أبناء الأمة ذاتها هنا وهناك.

وللتو قرأت ولا أدري مدى صحة ذلك، أن أداء الحج يصعب على المسلمين في فترات القحط والجفاف والحروب والمجاعات وعسر الأحوال، وهو أقرب للمنطق، ويمكن ربط ذلك مع مفهوم الاستطاعة، أي «حج البيت من استطاع إليه سبيلًا».

وكذا فقد استنتجت أن إسكان مسلم لاجئ هارب من الاضطهاد والقتل يفترض أن يكون أعظم شأنًا عند المسلمين شعوبًا وحكامًا من أي فريضة، ولست أدعي في ذلك بل هو ما استقيته من حديث نبوي شريف بما معناه (لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم).

وحاولت الربط بين الاستطاعة وإنقاذ أرواح المسلمين من الإبادة، فدار في دماغي السؤال التالي: هل الاستطاعة هي أن يملك الحاج أسباب الحجة من مصاريف السفر والإقامة في المشاعر المقدسة، وأن تتكفل السلطات المسؤولة بتكاليف التخديم والأمن وغيرها، فيما يترك مليون مسلم على الأقل عرضة للإبادة الجماعية؟، هل هذه هي الاستطاعة؟

وللأمانة لا تتناسب الاستطاعة مع معايير عقلي إن كانت محصورة بالفرد الحاج أن يكون آمنا في ماله وأهله، تزامنًا مع استقرار الديار الحجازية وحسن تخديمه فيها.

بل إنها لا تتناسب مع معايير الصدق التي رسمها الإسلام في عقلي والتي تنهى بناء على السنة والقرآن عن الكذب والنفاق، بل إنها لا تتناسب مع فطرة الإنسان وطبيعة تكوين الجماعات البشرية.

وإن تمّ ربط المجريات بما يتعرض له المسلمون في شتى أصقاع الأرض، وخاصة أقلية الروهنيجا المسلمة في بورما، لتأكدت شخصيًا أن الحج فريضة على كل مسلم إن استطاع إليه سبيلا وفرض كفاية على كل الأمة في آن معًا، فلا عتب على غير المستطيع لحصار أو حرب أو جوع أو قتل كونه غير مقتدر والموضوع غير محصور بالمال، لكن الكل يأثم إن لم يؤد رهط من المسلمين الفريضة.

وأرجو إلى الله أن يأتي متفقه في علوم الدين ويؤيد ما ذهبت إليه أو يفصله ويبين ما فيه أو يدحضه بالأدلة والشواهد، فأنا لست أهلا لذلك ولا أمتلك الجرأة، لكني وفقًا لما توصل إليه عقلي المتواضع من استنتاجات بعد القراءات البسيطة، سأتابع مقرنًا إياها بخبرتي القليلة في الحساب والاقتصاد.

وعلى فرض قررنا إنقاذ مليون بورمي من القتل وحققنا فرض الكفاية للحج؛ فجمعنا الأموال التي بجعبة الحجاج بموافقتهم ووضعناها بالتساوي داخل خيام وفنادق منى ومزدلفة والمشاعر المقدسة، ثم طلبنا إليهم العودة من حيث أتوا لنجلب البورميين إلى المكان؛ لأن يأمنوا على أطفالهم وأنفسهم؟

وهل يا ترى تعجز وزارة الحج عن استيعاب مليون حاج بورمي هارب من القتل وتستطيع تخديم ثلاثة ملايين من جنسيات أخرى جاؤوا بطوعهم؟

أخشى ما أخشاه أن خيام المشاعر المقدسة وفنادقها لا تتسع للفقراء الذين يشبهون حال من أسسوا لبنة الإسلام قبل أكثر من ألف عام!

ويساورني شك أن مهمتنا الحالية الوحيدة الإثبات للأقليات المسلمة البعيدة أننا محترفون جدا في تطبيق شعائر ديننا وفاشلون جدًا في الحفاظ على أتباع ديننا من الاندثار والتشويه والاستقطاب.

لذا سأفترض جدلًا أن الصراعات في سوريا والعراق واليمن سياسية بحتة وتدور بين مسلمين الغالب فيهم مغلوب، وعليه لن أتعاطف مع قضية اللاجئين من تلك البلاد ولن أطالب بإسكانهم في المشاعر المقدسة والبلاد العربية والإسلامية بمقدار طلبي وتعاطفي مع الأقليات المسلمة البعيدة.

وسأدعو المسلمين للدفاع عن أقلياتهم المضطهدة بطريقة تشبه دفاع أجدادهم الأوائل عن أتباع الملة، أو بطريقة تشبه دفاع آخرين عن أقليات إثنية وعرقية نتعاطف معها بطبيعة الحال.

ولقد فشلنا في إبراز الأقليات التي تخصنا بمظهر الضحية أمام الرأي العام، وعليه سأطالب المسلمين استيعاب فكرة المشهد المبطن الذي يقول إن دماءهم المسكوبة لأسباب متعددة أرخص الموجود وأكثره تفريطًا منهم، ثم أقنعهم أن يستبدلوا رفع ثمن عظامنا وجلودنا بمشاركة المجتمع الدولي تلكؤه عن أي تحرك يحول دون موتنا.

ولا يسعنا انتظار إلباس مزيد من قضايانا الجوهرية ثوب السياسة، فقد حان وقت النهوض نصرة لرعايانا المستضعفين.

وإلى مسلمي القرن الحادي والعشرين: ابعثوا البورميين إلى مشاعر الحج وعودا إلى دياركم فهي حجة لكم في شعب الروهينجا تحفظ بقاياهم الجريحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد