قليلة هي تلك الأوقات التي يتناسى فيها الجميع خلافاتهم وصراعاتهم الشخصية، وتذوب فيها كل الفوارق المجتمعية والسياسية، حتى الدينية، وتصبح حماية الوطن هي هدف الجميع.

الأندلس، تلك الأرض العطرة، التي حوت حضارة من أعظم الحضارات الإسلامية التي قامت على ظهر الأرض، يحتوي تاريخها على كثير من تلك الأوقات الفريدة، التي غفلت عنها كتبنا العربية، ولم تفسح لها المجال؛ لتأخذ مكانتها، ووضعها الصحيح.

البداية

بعد وصول عبد الرحمن الداخل – الملقب بـ “صقر قريش” – إلى الأندلس وتأسيس دولته الجديدة، واجهته خلالها رياح عاتية، كادت أن تقتلع أركان تلك الدولة الوليدة، المضطربة فكرًا وجنسًا ودينًا، فجابه عبد الرحمن الداخل تلك الفتن بكل قوة وبسالة لتوطيد سلطانه وإقامة دولته.

وبينما هو منشغل بقمع بعض الثورات الصغيرة فى جنوب البلاد عام 157هـ، ثار عليه اثنان من ولاته، هما: سليمان بن يقظان الكلبي (ابن الأعرابي) والي برشلونة، والحسين بن يحيى والي سرقسطة(1)، فقد هاجت صدورهم حقدا وغيظا على عبد الرحمن الداخل، وكيف أنه تمكن وحيدا فريدا من تملك الأندلس، فاتفق الاثنان على خلع الداخل ومحاربته وتقسيم الحكم بينهما.

استطاعا في البداية هزيمة إحدى جيوش صقر قريش وأسر قائده ثعلبة بن عبيد الجذامي، لكن قوة الداخل كانت مقلقة بالنسبة إليهما، ولم يكونا قادرين على مواجهته بمفردهما.

هنا لعبت الخيانة دورها الكبير، وتجلت في أبشع صورها، حيث قررا خيانة وطنهم ودينهم، بالاستعانة بحاكم فرنسا كارل الأكبر، لمحاربة عبد الرحمن الداخل والتخلص منه؛ من أجل السيطرة على الأندلس.

الصراع الفرنسي الأندلسي

منذ فتح المسلمون الأندلس عام 92هـ, بدأ الصراع بين المسلمين وبين مملكة الفرنج (فرنسا)، واستطاع المسلمون القيام بعدة غزوات كبيرة لفرنسا، حتى نجحوا فى افتتاح نصفها الجنوبي فى عهد عبد الرحمن الغافقي، وبعد هزيمة بلاط الشهداء، وتراجع المسلمين إلى ما وراء جبال البرنيه (البرانس)، كانت سياسة فرنسا فى ذلك الوقت تعمد إلى بث روح الثورة والخلاف في إسبانيا المسلمة، ومحاولة زعزعة استقرار الأندلس عن طريق دعم الخارجين على حكومة الأندلس، ولذلك رحب كارل كثيرا بعرض ابن الأعرابي وتجهز للمسير نحو الأندلس في جيش عظيم.

كارل الأكبر

سافر سليمان إلى فرنسا، وعرض على كارل تسليم برشلونة وسرقسطة له، مقابل مساعدتهما في قتال الداخل، والتخلص من حكمه في الأندلس، على أن يحكما الأندلس باسم ملك الفرنج.

ولإثبات حسن النية، سلم سليمان بن اليقظان قائد جيش الداخل الأسير لكارل الأكبر، فسجنه فى إحدى قلاع فرنسا.

وجهز كارل جيشًا جرارًا لاجتياح الأندلس، زاعمًا أنه يلبي نداء المسيحية؛ لتحرير إسبانيا من يد المسلمين.

الهجوم على البشكنس (الباسيك)

وصل الجيش الفرنسي إلى الأندلس، وفي الطريق إلى سرقسطة لتسلمها من واليها، توجه كارل -أولاً- نحو إقليم البشكنس (الباسيك حاليًا)، والذي لم يكن خاضعًا للمسلمين، وهنا تظهر البواعث الحقيقية لحملة كارل ألا وهى احتلال إسبانيا.

فبدأ بقتال البشكنس، وهم مسيحيون(2), بل أحدث فيهم مقتلة عظيمة، وسيطر على أراضيهم، فلو كان كما يدعي جاء نصرة للمسيحيين لتحالف مع البشكنس أو على الأقل كان يتجنب قتالهم، لكنه قام فيهم بمذبحة عظيمة.

وصل كارل إلى مدينة سرقسطة, وكانت المفاجأة فى انتظاره، فقد دبّ الخلاف بين رفاق الأمس، فرفض الحسين بن يحيى تسليم المدينة، ونقض اتفاقه مع سليمان ابن اليقظان، وأمر بإغلاق أبواب المدينة والدفاع عنها حتى الموت.

والظاهر أن الحسين نقم على سليمان موقف الصدارة والزعامة الذي اتشح به إزاء الفرنج، فنشبت بينهما الخصومة.

أو أنه خشي عاقبة التورط في حلف الفرنج، فعدل موقفه في آخر لحظة حينما شعر بمسير الفرنج إلى مدينته(3).

فحاصرها كارل، وحاول اقتحامها بشتى السبل، لكن حاميتها بذلت كل ما في وسعها للدفاع عنها(4)، حتى عجز كارل عن اقتحامها.

وفي تلك الأثناء وصلت أخبار سيئة من فرنسا إلى كارل، حيث استغلت القبائل السكسونية تغيب الجيش الفرنسي والملك(5) وقامت بغارات رهيبة على فرنسا، ونهبت القرى والمدن، فقرر كارل العودة بسرعة لحماية مملكته، وأخذ معه ابن اليقظان أسيرًا، عقابًا له على ما حدث.

معركة باب الشزري (ملحمة الرولاند)

في الطريق مرّ كارل على أراضي البشكنس مرة آخرى، فوجدهم قد تجهزوا لقتاله وحماية أراضيهم، فقاتلهم قتالا شديدا وقام بمذبحة رهيبة مرة آخرى، ودمر عاصمتهم بنبلونة، واستكمل طريقه نحو فرنسا حاملاً معه الغنائم والسبايا، وما نهبه من البشكنس، متوجهًا نحو جبال البرنيه من طريق هضاب رونسفال المؤدية إلى باب الشزري (ممر جبلي ضيق يقع في جبال البرنيه).

وصلت أخبار كارل وعجزه عن اقتحام سرقسطة، وما فعله بالبشكنس إلى عبد الرحمن الداخل، فاجتمع مع قادة البشكنس ومع أبناء ابن اليقظان الأسير (مطروح، وعيوش)، وقرر الجميع الاتحاد والوقوف صفًّا واحدًا من أجل الانتقام من كارل، على ما اقترفه في حق الأندلس. وتم وضع خطة محكمة من أجل القضاء على كارل وجيشه.

وصل الجيش الفرنسي إلى ممر باب الشزري، وبدأ في العبور، وبسبب وعورة الممر وضيقه الشديد، تخلى الجيش عن تشكيلاته العسكرية، ولم يكن في حسبان كارل بعد ما فعله أن يفكر أحد في مطاردته وتتبعه، فقد ترك الأندلس مثخنة بجراحها بسبب ما فعله.

وهنا تجلت روعة خطة المسلمين، وحبكتها القوية؛ فقد سلحوا البشكنس بكميات هائلة من السهام والرماح، ووضعوهم فوق الجبال، وما أن اجتازت مقدمة الجيش الفرنسي الممر حتى انهمرت سهام ورماح البشكنس كالمطر حاصدة أرواح الفرسان الفرنسيين الذين دبّ الذعر في صفوفهم وحدثت البلبلة، وتسابقوا نحو الهرب فسقط المشاة منهم تحت أقدام الخيول فقتلوا دهسًا.

وبدأ الشق الثاني من الخطة، فاندفع الجيش الإسلامي بقيادة مطروح وعيوش إلى داخل الممر ممزقًا الصفوف الخلفية للفرنسيين(6) الذين عجزوا عن الهرب أو حتى المقاومة، وأصبح الموت يأتيهم من كل مكان.

كان الهجوم مفاجئ وقوي للغاية ومربكا للفرنجة فلم يحسنوا الدفاع عن أنفسهم في تلك الشعاب الضيقة المنحدرة، وقد فصلت مؤخرة الجيش الفرنجي، وانتزعت منها الأسلاب والأمتعة وفي مقدمتها الخزانة الملكية، وكذلك الرهائن، وفي مقدمتهم سليمان، ومزقت المؤخرة نفسها شر ممزق، وهلك خلال المعمعة الهائلة عدد عظيم من سادة الجيش الفرنجي وفرسانه، ولم تسمح المفاجأة المذهلة بأى عمل أو محاولة منظمة لإنقاذ الفرق المنكوبة. وكانت نكبة مروعة لبث صداها يتردد مدى عصور في أمم الغرب والنصرانية(7).

عجز كارل عن الالتفاف ومقاتلة المسلمين فهرب به حرسه الخاص متوجهين نحو فرنسا تاركين باقي الجيش لمصيرهم وهلاكهم، حيث سقط آلاف من فرسان الجيش الفرنسي وأبطاله قتلى في ساحات ممر باب الشزري.

وقد هلك خلال تلك المعركة الكثير من الأمراء والسادة الفرنجة، ومنهم إيجهارد رئيس الخاص، وأنسلم محافظ القصر، وهردولاند حاكم القصر البريتاني، وكثير من الرؤساء ورجال الخاص والحاشية وهردولاند، هو رولان Roland بطل الأنشودة الشهيرة، التي تناولت المعركة وأحداثها وذكرت المصاب الجلل الذي لحق بالفرنجة.

ولا يزال إقليم الباسيك الإسباني يحتفل بذكرى المعركة ويقيم المهرجانات والاحتفالات السنوية في الشوارع مع إعادة تمثيل بعض المشاهد من المعارك وإظهار روح التعاون بين البشكنس والمسلمين.

قصيدة الرولاند

كان للمعركة صدى رهيب في أوروبا، وأصبحت قوة الأندلس بعدها مهابة وبشدة، ونسج الشعراء والأدباء الفرنسيين آلاف الروايات والقصائد التي تحدثت عن تلك المعركة، كان أشهرها ملحمة الرولاند التى تجاوز عدد أبياتها الشعرية 4 آلاف بيت، والتي تناولت مقتل فارسهم رولاند المشهور، وكيف تأثر الفرنسيون وحزنوا لمصرعه.

كان تناول ملحمة الرولاند للمعركة تناولا أسطوريا مخيفا حاول فيه الشعراء تبرير هزيمة جيشهم العرمرم القوي بأنه كان يحارب وحوش أسطورية وكائنات مخيفة وأخذت الملحمة تضفي على المسلمين أوصافا أسطورية وهي تصف بسالة جنود الفرنجة وتصديهم للمسلمين, وكيف أن المعركة لم تكن متكافئة.

وتعتبر قصيدة الرولاند هي بداية الأدب الفرنسي حيث انتشر بعد ذلك ما يسمى بأدب الفروسية والذي كانت الرولاند هي الملهمة لكاتبيه والمستقى الخصب لقصصهم ورواياتهم.

وأطلقت الكتب التاريخية الفرنسية على المعركة اسم الرولاند تخليدًا لذكرى فارسها، وعرفت في كتب العرب باسم معركة باب الشزري أو الرونسفال.

كانت معركة باب الشزري واحدة من المعارك التي خلدت وسطرت معاني الوطنية والانتماء فجعلت الجميع يحتشدون تحت راية واحدة من أجل وطنهم.

بعض أجزاء من القصيدة:

66- الجبالُ عالية والصخور تصعد نحو السماء، والأودية سوداء، والفرنسيون يعبرونها بمشقة بالغة، والأحجار تنزلق من تحت أقدامهم، ويسمعون صوت الجيش المتحرّك من بُعد شديد. وعندما دخل رجال شارلمان إلى فرنسا، ورأوا “جاسكوني” تذكّروا ديارهم وأولادهم وزوجاتهم، لكن “شارل” كان حزينًا، فلقد ترك في الأودية السوداء لبلاد الأسبان ابن أخيه “رولان” الذي يحبّه كثيرا.

67- لقد ترك كذلك في أسبانيا، نقباءه الاثني عشر، أشهر الشجعان في جيشه، وعشرين ألف فرنسي لا يخافون من الموت، ولكنه واصل المسير نحو فرنسا، ولم تغلبه مخاوفه، ولم يُظهر أفكاره للآخرين …

68- كان شارلمان حزينًا، وكان كل الفرنسيين يعرفون السبب، وكلّهم يخاف على رولاند، وأخذوا ينظرون إلى سيف جانلون ومعطفه وخيوله المُحمّلة!

85- أوليفيير: يا صديقي رولاند، صدّقني .. من الأفضل أن تنفُخ في البوق.

رولاند: وحق إلهي، لم يُلجئني امرؤ أبدا إلى طلب النجدة، ولن يستطيع أحد أن يقول يومًا، إن رولاند كان خائفًا، وفي المعركة سوف أضرب ألفًا وسبعمائة ضربة، وسترون الدم يخضب سيفي، وكل الفرنسيين شجعان مثلي، وسيفعلون كما أفعل، وسيموت أهل أسبانيا (8).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) تاريخ ابن خلدون، (4/158).
(2) انظر: الكامل لابن الأثير، (5/236).
(3) محمد عنان: دولة الإسلام في الأندلس، (1/175).
(4) انظر: أخبار مجموعة، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ص(103).
(5) انظر: دولة الإسلام في الأندلس، (1/176).
(6) انظر: الكامل لابن الأثير، (5/191).
(7) محمد عبدالله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، (1/180).
(8) أحمد درويش: نظرية الأدب المقارن وتجلياتها في الأدب العربي، ص(148، 152).
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد