في هذا الزمن قد تستيقظ ذات صباح فتجد نفسك فجأة قد أصبحت «قدوة» للملايين بسبب منشور عنك أو منك، أو لقطة عابرة، أو فيديو عفوي أو مصطنع.

وقد يحصل لك ذلك ساعة ولادتك؛ تولد وبمجرد تشريفك للدنيا تكتسب هذه الصفة «القدوة»، يخلقك الله تعالى وليدًا فإذا بهذا الوليد أو تلك الوليدة في أعين الناس وآمالهم «قدوة».

يشبه ذلك ما كان يحصل مع أبناء السلاطين في قصص الإمبراطوريات ونراه اليوم مع بقاياها من ملكيات متناثرة.

أحيانًا وعلى النقيض يمكن أن تكتسب هذه الصفة بعد موتك كما يكتسبها البعض بعد ولادته، إما لخاتمة حسنة أو لموقف قمت بفعله فحسنه الناس أو للظروف المتعلقة بحادثة موتك؛ فيبدأ الناس بتشريحك، ثم وزنك على الميزان، كل امرئ على ميزانه ووفق تقديراته وحساباته، وهنا قد ترخص في عين البعض وتبدو جوهرةً في عين الآخر ولربما يحار آخرون في أمرك كيف لمثلك أن يكون قدوة فأنت لا توافق مزاجه الديني أو تخالف بعض التفاصيل في معاييره.

في الحالات السابقة كلها أنت قدوة دون اختيار منك أو قرار.

في هذه الحالة يبدأ المرء بالتكيف مع هذه الظروف المفروضة، ويكتسب مهارات تمنحه المحافظة على هذه المزية التي ستعطيه امتيازات وتفرض عليه أيضًا قيودًا بطبيعة الحال، مزية تبدو وسام شرف للبعض، وحبل يلتف حول عنق البعض أيضًا!

يمكنك أيضًا أن تكون قدوة بكسبك ومحض إرادتك هناك وصفة سحرية سريعة، ووصفة بطيئة ستكلفك جهدًا قد يكون مضنيًا.

أما السريعة إن كنت رجلًا فعليك أولًا: أن تطيل لحيتك وتحف شاربك، ثم ترتدي لباسًا عربيًا (كلابية). ويكون جيدًا جدًا لو وضعت على رأسك الشماخ أو القبعة البيضاء وأفضل منها اللفة أو العمامة.

الخطوة الثانية: عليك بتعلم بعض العربية الفصحى يلزمك معها شيء من الآيات، والأحاديث، والأدعية، والأشعار، والحكم.

الخطوة الثالثة: يجب أن تتحلى ببعض الوقار، الهدوء، لا ترفع صوتك بالضحك أبدًا، ارفعه بالموعظة فقط.

الخطوة الرابعة: لا بأس ببعض الصور مع من يزكيهم الناس من العلماء، والمشايخ، أو الأدباء، والمفكرين، أو المشاهير ممن حسنتهم العامة.

هل فعلت ذلك؟ مبارك لقد أصبحت الآن قدوة!

بالنسبة للنساء فالأمر أصعب قليلًا، يحتاج تحصيل الحالة لإضافات نوعية وجهد مضاعف تنسجم مع الطبيعة الأنثوية، لكن لا بأس من بعض التجريب والمحاولة فالأمر ممكن.

أولًا: أطيلي حجابك، وأوسعيه ما استطعت، وسيكون جيدًا جدًا لو لبست البرقع الذي يتسربل من الرأس إلى أسفل القدمين، أما عن الألوان فعليك أن تتخلي عنها مطلقًا،، إلا الأسود، أو ما كان منه مدانيًا.

ثانيًا: الطريق إلى المساجد قصير، ومعروف ومملوء بأخوات الإيمان، عليك بهذه الحلقات وأن تكثري من التردد عليها، والتلطف والهدوء والرقة مع الأخوات، مع بعض الحمية لله ورسوله.

ثالثًا: احفظي ما تسير لك من القرآن وجودي منه أمام النساء وتعلمي فن الوعظ وترقيق القلوب وإلهاب المشاعر وإهدار الدموع.

فعلت ذلك؟ حسنًا مبارك أنت الآن قدوة وأبناؤك وبناتك قدوة أيضًا.

هذه السريعة، أما البطيئة فالأمر يحتاج بالإضافة لما ذكر الكثير من الصبر، والعلم، والتعلم، ونيل الشهادات بالعلوم الشرعية ومنها الإجازة المتصلة بالسند، سواءً فيما يتعلق بالقرآن أو الحديث.

قد يبدو الأمر مثيرًا للسخرية، أو للغضب، وكأني ألمز بطائفة كريمة ليست قليلة! لكني حقيقة لا أفعل.

فأنا أيضًا خريجة شريعة، وحفظت الطرق غدوي ورواحي للمساجد، وتعلمت ما تيسر من العلوم الشرعية، وصاحبت ما شاء الله من الأخوات في الله، وألهبت المشاعر بما بكفي، ولبست الأسود والأبيض والملون.

ما كنت أتكلم عنه من خطوات لا يفعله المرء ليكون قدوة عادةً في الحالة الطبيعية، لكنه بمجرد فعله سيبدو في أعين الناس مثالًا مشرفًا للاقتداء (وقد يفعله بعضهم بهذا القصد، ولكنهم قلّة نادرة).

ما قصدت من هذا السرد أن هذه الصفات تعد لدى الناس معيارًا «للمثال والقدوة»، على أن الكثير ممن يتخذهم الناس قدوات يتعبهم هذا الأمر يحملهم بأعباء نفسية كبيرة، وحذر مضاعف، وتكلف غير مرض لهم. يتجلى ذلك بشكل خاص عند من فرضت عليه صفة القدوة دون اختيار منه.

سواء كونه ابن/ـة قدوة أو نتيجة التزامه الديني أو بسبب علمه أو اكتسابه شيئًا مما يعده الناس مؤشرًا حسنًا

مفهوم القدوة بين السلب والإيجاب:

بالتأكيد فإن مفهوم القدوة يمثل حاجة طبيعية، ومعنى إيجابي، وضرورة تربوية، والإنسان يتطلّع في معظم مراحله العمرية لمثل أعلى تكون أفعاله وأقواله مرشدًا له فيما يعرض له في حياته، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في مواضع شتى، فحث على الاقتداء برسول الله المصطفى، خصوصًا (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، والأنبياء عمومًا (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، ثم بصحابته الكرام، وقد تربوا على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بمن صلح من العلماء والصالحين فيما حَسُنَ من أفعالهم.

أين الخلل إذًا في موضوع القدرة؟ يبدو لي ذلك في مواضع عديدة:

منها الاختيار الخاطئ للمثال القدوة: فمثلًا الناس تنجذب للمشاهير عمومًا فتتقلد أفعالهم، لكنَّ ميزان الشهرة وحده ميزان مغشوش خاسر.

التعميم في الاقتداء: فمثلًا من حسنت تلاوته ورق صوته في القرآن قد لا يكون صاحب علم أو منبع حكمة، ومن حسن فكره قد لا يكون عالمًا بكتاب الله، ومن أحسن الوعظ قد لا يجيد أساليب التربية وهكذا فإن الإنسان بامكانه أن يقتدي بآخر بجزئية دون تعميم على باقي جوانب حياته.

النزعة المثالية في الأذهان أو فكرة الرمز: التصور المفترض في الذهن أن القدوة لا تخطئ ولا تأتي الصغائر ومحال منها الكبائر إنه ملاك يمشي على الأرض!

كل هذا أو واحد منه قد يؤدي لخيبة أمل لها ارتدادات عظيمة في نفس المقتدي، فكيف نضبط الأمر؟

علينا أولًا: أن نصحح مفهوم المثال وأن نقوم بتسكين هذا المصطلح.

ثانيًا: علينا أن نغير الأسلوب الوعظي المتبع الذي ينزع لتنزيه القدوات بطريقة تجعل الاقتداء بهم صعبًا أو ضربًا من الخيال أو محبطًا عن تكرار أمثالهم.

ثالثًا: من الجيد زرع قاعدة أساسية في الأذهان أن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

رابعًا: تفكيك المفهوم وتوزيعه، فبدلًا عن أن نقتدي بشخص بكل سلوكه نقتدي بعدة أشخاص فيما أحسنوا فيه من أمور؛ فنقتدي بالمبتلى في صبره، وبالعجوز البسيط بحسن توكله، بالأم الأرملة بثباتها وقوتها وقدرتها على أداء الأدوار، وهكذا نخرج من فكرة الرمز المثال للرمز القيمة المتفرقة في الناس قال تعالى: (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ).

خامسًا: الإيمان أن المثالية المطلقة مجرد وهم. وأن الانسان القدوة ليس مثالًا عن تصورات الشخص وأحلامه الملائكية. وأهم من ذلك كله علينا أن ندرك أن ميزان الله لا يوافق ميزاننا أو يطابقه، فكم من صالح غبنه الناس مكانته، وكم من فاسد رفعه ميزان الناس.

أكـثـرُ الناس يحكمون على الناس

وهـيـهات أن يكونوا عدولًا

فـلـكـم لـقَّـبوا البخيل كريمًا

ولـكـم لـقَّـبـوا الكريم بخيلًا

ولـكـم أعـطَـوا الملحَّ فأغنَوا

ولـكـم أهملوا العفيفَ الخجولا

ربَّ عـذراء حرّة وصموها

وبـغـيٍّ قـد صـوّروها بتولًا

وقـطـيـعِ الـيدين ظلمًا ولصٍ

أشـبـع الـنـاس كـفَّه تقبيلًا

وسـجـيـنٍ صَـبُّوا عليه نكالًا

وسـجـيـنٍ مـدلّـلٍ تـدلـيلًا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد