«مَشَـى الطـاووسُ يومـًا باعْـوجاجٍ
فـقـلدَ شكـلَ مَشيتـهِ بنـوهُ
فقـالَ: عـلامَ تختـالونَ؟ قالـوا
بـدأْتَ بـه، ونحـنُ مقلـِـدوهُ
فخـالِفْ سـيركَ المعـوجَّ واعـدلْ
فـإنـا إن عـدلـْتَ معـدلـوه
أمـَا تـدري أبـانـا كـلُّ فـرع
يجـاري بالخـُطـى مـن أدبـوه؟
وينشَــأُ ناشـئُ الفتيــانِ منـا
علـى ما كـان عـوَّدَه أبـــوه»
نعم. فالإنسان صنيعة البيئة التي نشأ بها، والوسط الذي يحيط به، وهو بطبيعته مفطور على تقليد غيره ممن يتوافقون مع ميولاته واهتماماته، وتصوراته وغاياته، فهم الذين يجد معهم نفسه، ويستريح معهم ضميره، ويتشكل معهم منهاج حياته، ويري بعيونهم آماله وطموحاته، ويجد نفسه مدفوعًا إلى تقليدهم ومحاكاتهم، فيحذو حذوهم، ويرتسم طريقهم، فإن علت اهتماماتهم وصحت تصوراتهم وعظمت غاياتهم علا معهم، وإن سفلت اهتماماتهم وساءت تصوراتهم وسفلت غاياتهم انحط معهم.
ولعل أول مجتمع يساهم في بناء شخصية الإنسان وتوجيه بوصلته وتحديد وجهته في هذه الحياة هي أسرته، وخاصة في المراحل العمرية الأولى من حياته، حيث يكون الأبناء أشد التصاقًا بالآباء، ويكون الآباء في هذه الفترة هم المثل العليا لأبنائهم بما يشملونهم به من حب ورعاية، وعلى قدر إدراك الآباء لذلك، وعلى قدر فهمهم لدورهم، وإدراكهم لرسالتهم، على قدر علوهم بأبنائهم.. ولذا نجد كم يهتم الإسلام بالأسرة، إذ إنها الحاضنة الرئيسة لمبادئ الإسلام وقيمه، والتي يقف الفرد من خلالها على واجبه تجاه دينه، ووطنه، وأمته، فإن صلحت صلح وصلحت الأمة، وإن فسدت فسد وفسدت الأمة.
ولكن التصاق الأبناء بالآباء قد لا يدوم طويلًا، إذ إنه يقل رويدًا رويدًا كلما تقدم الابن في العمر، وكلما اتسعت مداركه، وكلما كثرت تعاملاته مع المجتمع، وتفاعلاته مع الأحداث، وعندئذ تتشكل لدى الأبناء قدوات أخرى، وعندئذ قد يعزز المجتمع ما غرسه الآباء في نفوس الأبناء ويجبر تقصيرهم إن كان المجتمع صالحًا، وقد يهدم ما بنوه في نفوس الأبناء إن كان المجتمع فاسدًا، ومن هنا ندرك أهمية نشر قيم الخير في المجتمع، وأهمية حمله على احترام مبادئ ديننا وقيمه، إذ إنه المربي الأعظم تأثيرًا في نفوس أبنائنا بعد الأسرة.
ومن هنا أيضًا يبرز لنا أهمية وجود قدوات الخير في المجتمع، الذين يجسدون المبادئ والقيم، وينقلونها من عالم الخيال إلى عالم الشهادة والواقع، ومن حيز الأقوال إلى حيز الأفعال، والذين يقيمون الحجة على غيرهم أن ما يدعونهم إليه من خير قد أمرهم الله به، وما ينهونهم عنه من شر قد نهاهم الله عنه، هو في متناول البشر، وفي وسعهم، ولذا فهم لا يخالفون المجتمع إلى ما ينهونه عنه، وهم أول من يجتهد في تحصيل الخير الذي يدعون إليه، وهؤلاء الصادقون لا فكاك من أن يلتف حولهم الناس، ويتخلقوا بأخلاقهم، ويتأدبوا بأدبهم، ويؤمنوا بالدعوة التي بها يبشرون، وينافحوا عن الفكرة التي إليهل يدعون، ومن أجل ذلك بعث الله النبيين والمرسلين، ليحملوا الناس على منهج ربهم بفعالهم قبل أقوالهم، وبأخلاقهم قبل سيوفهم!
ومن هنا أيضًا يبرز لنا سبب عداوة أهل الباطل لهؤلاء، ولماذا يعمدون إلى تشويههم بكل سبيل، وصرف الناس عنهم بكل حيلة، والحيلولة بينهم وبين الجماهير بكل ما أوتوا من قوة، وصرف الناس عن معالي الأمور، وشغلهم بسفاسفها وتوافهها، وتصدير سفلة القوم والتافهين منهم ليكونوا هم القدوات والزعامات، ففي هذا المناخ الفاسد حياتهم وبقاؤهم، وفي ظهور هؤلاء انكسارهم وزوالهم.
والإناء الفارغ لا يفيض على من حوله، ومواعظ واعظ لن تقبل، حتى يعيها قلبه أولًا، ولن يكون المرء مصلحًا إلا إذا كان صالحًا، ولن تنجح فكرة لا يؤمن بها صاحبها، ولا يخلص في سبيلها، ولا يتحمس لها، ولا يستعد للتضحية والبذل من أجل تحقيقها، ولذا فمقام القدوة يحتاج أول ما يحتاج إلى إصلاح النفس، والمسارعة إلى استكمال جوانب نقصها، والوقوف جيدًا على مبادئ الدعوة وقيمها، وحمل النفس على امتثالها حتي يكون من وقف موقف القدوة خير ممثل لها ومعبر عنها، ولذا فقبل أن يوقف الله خليله إبراهيم موقف القدوة، وينزله منزلة الإمامة، ابتلاه بكلمات، فأمره بأوامر، ونهاه عن نواه، فلما أتمهن استحق إمامة الناس في الخير إلى أن يرث الله آلأرض ومن عليها، «وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين».
وكما رأينا فإبراهيم عليه السلام يطلب من الله الإمامة من بعده لذريته حتي يستمر مد الخير في آلأرض، وهكذا الصالحون يطلبون من الله أن يوفقهم لبلوغ هذه المنزلة ويجتهدون في توريثها لمن بعدهم بتعهد من حولهم بالتربية حتى لا ينقطع الخير عنهم بعد مماتهم، وحتى لا ينقطع الخير في الأرض، فهذه رسالتهم التي خلقهم الله من أحلها، ولذا فمن دعائهم: «ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا».
ولهذا المقام العظيم معالمه، التي لا تنفك عن صاحبه، ومن فقدها فقده، وفقد تأثيره وأضاع أثره، وأول هذه المعالم إيمان الداعية برسالته، وفهمه لدعوته، ووضوح رؤيته، وعلمه بطبيعة الطريق الذي يسلكه، وإحاطته بمنعطفاته وآفاته، فبدون ذلك سرعان ما سيسقط، وسرعان ما سيذهب بريقه، وينمحي أثره «فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
وثاني هذه المعالم مصداقيته، ومطابقة فعله قوله، فلا يأمر الناس بخير إلا ويسبقهم في امتثاله، ولا ينهاهم عن منكر ويخالفهم إليه، تلك المصداقية التي عبر عنها سيد المرسلين بقوله: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»، وتلك التي منعته أن يستجيب لعمر رضي الله عنه عندما دعاه لخلع ثنيتي سهيل بن عمرو عندما وقع في الأسر، وكان فصيحًا بليغًا شديدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته، فقال لعمر: «لا أمثل فيمثل الله بي»، وتلك التي جعلته يقوم الليل حتى تورمت قدماه فتقول له عائشة رضي الله عنها: «أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» فيقول لها: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، وتلك التي جعلته لا يقبل راحلة أبي بكر في الهجرة إلا بالثمن حرصًا منه على تحصيل الأجر، وتلك التي جعلته يترك وطنه الذي هو أحب البلاد إلى قلبه مهاجرًا إلى ربه مناصرًا لدعوته مجاهدًا في سبيل تبليغ رسالته، وتلك التي جعلته وله خمس الغنيمة يموت يوم يموت، وليس في بيته مال ولا درهم يورثه حيث كان يرد ماله على المسلمين، كان أصدق الناس، فكان خير الناس، وأكرمهم على رب الناس.
وثالث هذه المعالم تواضعه، فهو يقبل النصيحة ممن هو دونه وعلى أي وجه، ويدور مع الحق حيثما دار، ولا يرى موضعًا ولا رأيًا أنفع مما هو عليه إلا وانتقل إليه راضيًا محتسبًا، ولا يثبت له خطأ ما هو عليه إلا ويسارع بالاعتراف بخطئه والتوبة منه، وها هو النبي صلي الله عليه وسلم ينزل على رأي الحباب بن المنذر في غزوة بدر ويغير موضعه الذي ارتآه إلى الموضع الذي اقترحه الحباب حيث رآه الأصوب، وعندما ارتأى رأيًا في شأن من شؤون زراعة النخيل فظهر عدم صوابه قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»!
ورابع هذه المعالم المسؤولية، وأعني بها تقديره للمقام الذي أقامه الله فيه، مقام الأستاذية، وهو مقام لو يعلمه عظيم، فإن أصلح فله أجره وأجر من اقتدى به إلى يوم القيامة، وإن أساء فعليه وزره ووزر من اقتدي به إلى يوم القيامة، وهذا هو المقصود من قول سيد المرسلين صلي الله عليه وسلم: كلكم على ثغر من ثغور الإسلام فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله، وقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».. ولقد وعى أحدهم الدرس فقال: «كنا نضحك، فلما علمنا أنه صار يقتدي بنا أمسكنا عن الضحك».
بمثل هذه المعالم تعظم القدوات، ويعظم تأثيرها، ويمتد أثرها، ويحق نصرها، فما أكثر الأدعياء، وما أقل الصادقين الأصفياء، فلنسارع جميعا إلى استكمال فضائل النفس، ولنطلب من الله على ذلك العون، حتى يكون كل منا صالحًا في نفسه، قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظما في شؤونه، نافعا لغيره، فيستحق بذلك أن ينزله الله منزلة الإمامة والأستاذية، فينال بها خيري الدنيا والآخرة، هيأ الله لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدوة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد