لطالما كانت تربية النشء من أجل إعدادهم لبناء حياة وأوطان شاغل الكثير من المفكرين وعلماء النفس على مر العصور، فكان التوجه إلى التعليم وسبل تطويره من أجل وجود نشء قادر على بناء وطن وحياة.

كان الأدب أحد وسائل التعليم في تربية النشء لذا وُجِد ما يعرف بأدب الأطفال من أجل غرس القيم الأخلاقية الفاضلة في بناء الأطفال، ونجح ذلك إلى حد كبير في فترة من الفترات إلى أن أصبح الأدب منسيًا وقد لا يكون معروفًا للكثير من أطفالنا في عصرنا الحالي.

ظهر أدب الأطفال تقريبًا في القرن السابع عشر في أوروبا بعدما أيقن الأدباء ضرورة إيجاد أدب للأطفال يخاطب مستوياتهم الفكرية من أجل اكتساب المعارف وتعلم شؤون الحياة والقيم والأخلاق، وفي عالمنا العربي كان أمير الشعراء أحمد شوقي من أوائل من دعوا إلى إنشاء أدب الأطفال في ديوانه الشوقيات، ونسب الفضل بعد ذلك إلى كل من الهواري وكامل الكيلاني في تطوير ذلك الأدب في عالمنا العربي.

في فترة الخمسينات والستينات وبداية السبعينات اشتعل الصراع العربي الإسرائيلي في وطننا العربي، فتوجه الكُتاب إلى الأدب المخابراتي أو أدب الجواسيس في تلك الفترة من أجل تربية جيل زرع بداخله حب الوطن ووجد أبطال الروايات هم قدوته وطالما رغبوا في تقليدهم، فوجدت روايات المغامرون الخمسة للعملاق المصري محمود سالم إلى أن ظهرت أسطورة الدكتور نبيل فاروق رجل المستحيل.

مثلت شخصية أدهم صبري في رجل المستحيل لجيل الثمانينات والتسعينات الرمز والقدوة التي لطالما أراد الشباب أن يكونوا على هيئته، ذلك البطل القوى صاحب الأخلاق الحميدة الذي يلقن الأعداء الدروس ويحمي بلاده ووطنه وهو على أهبة الاستعداد للموت في سبيله.

لم تظهر الرواية البوليسية في عالمنا العربي كثيرًا وإيجاد أبطال أمثال شارلوك هولمز وهير كول بوارو بات مختفيًا، لم يتمثل دور هؤلاء المحققين في اكتشاف المجرمين وتقديمهم للمحاكمة ولكن كان هناك ما هو أهم من ذلك، إنها العدالة وتحقيقها.

مَثّل تحقيق العدالة شاغل المحققين في الروايات البوليسية لوضع البشر على الطريق الصحيح ويكون هؤلاء المجرمين عبرة لمن أراد اقتراف جريمة فهو سيعلم جيدًا أنه لا جريمة كاملة ومهما طال الوقت سينشق طريق الخطأ ويبتلعه فلا وجود لاستمرار السيء مهما طال الزمن.

في وقت يصعب فيه ابتعاد الطفل عن وسائل الترفيه التكنولوجية وتقريبه للقراءة مع أن ذلك سيسهل بكثير إن نشء الطفل ووجد أمه وأباه يقرآن بدلا من انشغالهم الدائم بالهاتف فالطفل يحب وينشأ إلى ما رأى أبواه يفعلان وهو صغير. لا بد من إيجاد بطل لهؤلاء الأطفال ليحفزهم ويكون قدوة لهم، بطل صاحب أخلاق ويبحث عن تحقيق العدالة، يحب عمله ووطنه ويجد أن بلاده لن تحقق التقدم والرقي إلا عندما يحاسب من يخطئ.

إذا تمكنا من تحبيب الآباء في القراءة فهم قادرون على تحبيب أطفالهم فيها بالفطرة ويكون المجتمع قد خلق لهم بطلًا فيما يقرؤونه وإذا تربوا على قيمه فسيكون لديهم الدافع والأمل في تحويل الورق المقروء إلى واقع.

كانت الرواية البوليسية هي الأكثر حبًا وتشويقا لدى أغلبية الأجيال ولذلك هي الأهم في تطويرها وإنتاجها بكثرة وإيجاد الأبطال فيها، أبطال زرعنا فيهم قيمنا الحميدة.

للرواية البوليسية قدرة على تربية نشء من خلال سهولة وجود أبطال ضمن أحداثها يستطيعون تقديم المعرفة للأطفال من خلال أحداث الرواية، كما أنهم قادرون على خلق خبرات لدى الأطفال من خلال مهام المحقق في كشف جريمته، كما أن إيجاد بطل يحب ويعيش من أجل وطنه سيزرع لديهم حبًا للمصلحة الجماعية وهو حب الوطن عن المصلحة الشخصية، فلديهم قدوة عملية كُتبت على صفحات كتاب ووُجِدَت في خيالهم ونمت مع بلوغهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد