النفس البشرية يحركها الأمل، وهذا الأمل يعينها على الانفكاك من قسوة الحاضر وتقلباته بين المنع والعطاء، ومما لا شك فيه أن الأمل شرط أساسي للمضي قدمًا نحو المستقبل وصناعة التقدم والحضارة.

الأمل وعلاقته بالحاضر والمستقبل

الأمل الصحي شرط أساسي في تأجيل رغبات الحاضر وتأجيل الإشباع الفوري لكل ما تشتهيه النفس وتطلبه، ومما لا شك فيه أن النضج والارتقاء مرهون بشكل أو بآخر بالجدية والتعب وتقديم المستقبل على الحاضر، وجعل الحاضر بوابة للعبور لهذا المستقبل، وذلك من خلال الاجتهاد والسعي وتجزئة المستقبل على أوقات الحاضر وإمكاناته وقدراته .

علاقة انحلال الحاضر بغياب الأمل

التشاؤمية ربما تكون مذهبًا من المذاهب الفكرية المعاصرة لدى العوام من الناس والبسطاء، خصوصًا في دول العالم الثالث الذي ينقطع فيه الأمل نظرًا لصعوبة الواقع ومرارته، وعندما يغيب الأمل يظهر الانحلال بشكل أو بآخر، ويلعب اليأس دورًا مهمًا في سرقة الحاضر، وبالتالي يغيب دور الحاضر في تشكيل المستقبل وإعادة صياغته نحو الأفضل؛ فتتوالى الأيام ويصبح شعار ما أشبه اليوم بالبارحة، وتسود حالة من الاستغراق التام في الشهوات والبحث في الطرقات عن اللهو واللعب وإرضاء الغرائز الفطرية بصورة واضحة جلية حتى يصير سمة عامة.

علاقة التخلف بغياب الأمل

هناك علاقة تجمع بين التخلف والزمن المعاش فمن الناحية المادية Physical Orientation يعيش الإنسان في الحاضر، ولكن من الناحية المعنوية Moral Orientation يختلف الإنسان تبعًا لدرجة تحضره على الزمن الذي يعيش فيه.

o والمقصود بالناحية المادية:

هو الوجود المادي للإنسان بجسده وروحه وهو ما يشترك فيه عموم البشر، إذ إن البشر جميعًا تعيش في الزمن الحاضر وفي هذه اللحظة وهي حقيقة مطلقة لا جدال فيها.

o والمقصود بالناحية المعنوية:

أي توجه الإنسان وأسلوبه الفكري في التعامل مع الزمن، فالإنسان في البيئة المتحضرة يعيش معنويًا في المستقبل ويضع تصوراته وخططه عن هذا المستقبل الذي يريده، وبالتالي فهو يعيش في دور الفاعل لا المفعول، عكس الإنسان المتخلف فهو يعيش معنويًا في زمن الماضي وأمجاده وبطولاته التي غالبًا ما لا يكون له يد فيها ويتأرجح بين الماضي والحاضر ذهابًا وإيابًا.

عندما يصير غياب الأمل حالة عامة

الحاضر بالنسبة للإنسان المتخلف يمكن تصوره في ثلاثة أبعاد «تصور، شعور، سلوك».

o تصور: الأيام الخوالي التي وقعت في الماضي واسترجاع الذكريات الجميلة منها دون غيرها «الانتقاء الوجداني للصور الإيجابية من الماضي».

o شعور: بكراهية التغيرات التي حدثت في الحاضر والتي ساهمت في إظهار حقيقة عجز هذا الإنسان أمام نفسه في اللحظة الراهنة.

o سلوك: الانفكاك والانحلال وعدم القدرة على تأجيل الرغبات والإشباع الفوري نظرًا لعدم وجود غاية أو هدف سامٍ يساعد في إعلاء أو تحويل التركيز من الشهوة إلى الصحوة.

ولذلك الإنسان المتخلف لا يستطيع أن يتصور المستقبل، وبالتالي فهو يمحي دورة في صناعة المستقبل ويفضل أن يلعب دور المفعول به لا الفاعل .

كل هذه المقدمة هي محاولة متواضعة منا للإجابة عن سؤال:

هل هناك دور يلعبه الأمل في صناعة المستقبل؟ وهل الأمل وحده كافٍ لإعادة الثقة في الحاضر ومن ثم الاستعانة به لصناعة المستقبل؟

مما لا شك فيه أن الأمل يلعب دورًا مهمًا في صناعة المستقبل، وزرع الأمل ضرورة حتمية للنهوض بالمجتمعات الراكدة، والأمل هو وقود الانطلاقة، ولكنه غير كفيل باستكمال باقي الانطلاقة، ومن ثم فنحن نحتاج مع وقود الأمل كمية أخرى من الوقود حتى لا تقف رحلتنا قبل أن تنطلق!

ولذلك يقع على عاتق كل شخص له دائرة تأثير أن يبث الأمل في المحيط الذي يقع به دائرة تأثيره، وأن يحاول أن يبرهن إمكانية تغيير المصير على الأقل بعرض إنجازاته على المستوى العملي والثقافي والاجتماعي حتى تكون برهانًا لغيره للانعتاق من عقيدة الجبرية المصيرية التي وقع في شركها كثير من أبناء المجتمع.

ولكن قبل أن أختم كلامي أريد أن أصوغ نقطة فارقة على الطريق؛ فلنحذر تضخيم إنجازات الماضي والتعويل عليها في بث الأمل وفقط، فاستمرار الأمل وتحويله إلى يقين نستعين به في تغيير المستقبل، لا يتم إلا إذا كان هناك نجاحات ملموسة في الوقت الحاضر، فتمجيد الماضي وتضخيم إنجازاته دون مواجهة الحاضر وتحدياته هو سرقة للعقول والأعمار.

#دمتم_على_أمل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

راي, فكر, نهضة
عرض التعليقات
تحميل المزيد