تخيّل أنك شاب بسيط متدين تعيش في كربلاء أو الحلة أو الديوانية في سبعينيات القرن الماضي، وأقنعتك فكرة (نهضة الأمة الإسلامية) وشعارات (الإسلام هو الحل)، وغيرها من الأفكار الرائجة في ذلك الحين بين الطبقة الوسطى في عموم البلدان العربية.

وتخيل أنك انتميت إلى (حزب الدعوة الإسلامية)1 الذي يتبنى هذه الأيديولوجيا في الحيز الشيعي، كما يمكن أن يكون شاب آخر قد انتمى إلى الحزب الإسلامي في الرمادي أو سامراء أو الموصل؛ لأنه اقتنع بنفس الأفكار (الإسلام هو الحل) في حيزه السني.

ثم تخيل أنك صحوت ذات يوم لتجد أن (صدام حسين)2 قد أعلن الحرب على حزبك وقرر ملاحقتك وزملائك لأنكم (عملاء إيران)، فضاقت عليك الأرض بما رحبت، ومن يكن صدام يطلبه في حينها فلا أرض تقيه ولا سماء.

ولأن دول الجوار تساند صدام في حربه على إيران فإنك لن تتمكن من الهرب إليها. وإن دخلت أراضيها فستسلمك لنظام صدام الذي بدوره سيعدمك أو يسومك سوء العذاب في السجون.

وتخيل أنك بعد أسبوع من التخفي والخوف وجدت نفسك في إيران أو سوريا!

وهنا يا صديقي تلقفتك أذرع المخابرات تلقفًا، فأنت لهم صيد ثمين فبعيونهم أنت إما جاسوس عراقي تسلل إلى أراضيهم للإضرار بأمنهم القومي. أو أنك فعلًا معارض لصدام ونظامه، وبالتالي فإنك في صفهم وعليك لعب دور في خططهم، وحينها سيكون اعتذارك عن لعب الدور ضد حكومة بلادك إثباتًا لتهمة التجسس لصالح نظام صدام، وحتى لو لم تثبت، فإنهم لو قرروا عدم استقبالك فالإعدام سيكون بانتظارك في العراق، إذا ما أعادتك الأقدار إلى قبضة النظام قافلًا من إيران!

تذكر أنَّ البداية كانت على يد داعية أو رجل دين حدثك بحماسة أن الله يريد شكلًا آخر من أنظمة الحكم على أرضه، وأن الدولة يجب أن تستمد منهجها وقوانينها ودستورها من الدين، لكنه لم يحدثك عن التوازنات السياسية لا في العراق ولا المنطقة ولا العالم، ولم يشرح لك كيف تكونت الدولة وما هي مراكز القوى والتأثير داخلها، ولم يوفر لك دورة أمنية أو تثقيفية لا في التاريخ السياسي ولا في القانون الدولي ولا أي شيء، والآن أنت في ورطة كبرى؛ فقد وضعت نفسك وعائلتك ومن حولك في موقف لا تحسدون عليه، وباتت خياراتك المحدودة كلها خطيرة، مع أنك لم تختر لا النظام الإيراني ولا العراقي ولا الخليجي.

ثم اندلعت الحرب ولم يرض أحد بوقوفك على الحياد؛ إذ لا توجد أرض للمحايدين أصلًا، واستخدمتك إيران ضد العراق، كما استخدم العراق مجاهدي خلق ضد بلادهم، تذكر أن (الحرب)3 دامت ثمانية أعوام وأنت تقاتل مع نظام لم تختره ضد نظام آخر لم تختر قتاله!

المهم، بعد غزو العراق انقلب كل شيء، وبات المطارَدُ مطارِدًا، والمطارِدُ مطارَدًا، فهربت الدولة العميقة إلى حيث تتوفر تأشيرة دخول وإقامة خوفًا من التصفية في حال البقاء في العراق، لكن الأنظمة في الشرق الأوسط لا تمنح التأشيرات مجانًا، واستضافتهم لأزلام النظام والمطلوبين تستفز بغداد، وهذه خسارة لا داعي لها فالعراق مقبل على مرحلة إعادة إعمار وإنفاق ثروات على تأهيل الدولة من جديد، وهنا يمكنك أيضًا أن تتخيل كيف تلقفت المخابرات في تلك الدول هؤلاء (العملاء) الجدد تلقفًا.

وأعاد التاريخ نفسه على مسرح المنطقة فاحتفظ بالأدوار نفسها ولكنه استبدل الممثلين، وسرعان ما صدر الحكم نفسه على المعارضين للنظام العراقي الجديد (عملاء السعودية)، ولأن معظم «ساسة السنة عملاء أو إرهابيون أو أزلام البعث» باتوا مطلوبين في العراق، فإن تجنيدهم أو استغلال أوضاعهم سهل لأي طرف يقيمون على أراضيه. فما الفرق في هذه الحالة بين هادي العامري ومثنى الضاري؟! أو نوري المالكي وطارق الهاشمي؟!

من كل هذا أريد إيضاح أن عقد (مؤتمر للقوى المعارضة)4 في بغداد، حتى لو فشل خير من أن يقام في الخارج برعاية مخابرات أجنبية، أقول هذا لأنني ممن ظنوا أن وصول حزب الدعوة للحكم في العراق سيخلصه من إرث الاستفراد وأنهم قطعًا لن يعيبوا في الديكتاور خلقًا ويأتوا مثله؛ لأنهم ضحايا الديكتاتورية والدعاية السياسية، كما أنهم خرجوا ورأوا العالم ودرسوا في الغرب وعاشوا الديمقراطية والحرية، لكن أبا إسراء خيب كل الآمال، اليوم يمنحنا العبادي أملًا جديدًا. فنستحلفك الرحم يا أبا يسر لا تخيب آمالنا بعراق يرحب بأبنائه، يكفينا تبادل أدوار العمالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست