كثيرًا ما يحثنا الجميع على قراءة التاريخ وأخذ العبر منه ودراسة التجارب السابقة كي نتفادى أخطاء من سبقونا، حيث إن التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها فهو يعين على معرفة حال الأمم والشعوب، من حيث القوة والضعف، والعلم والجهل، يقول المولى عز وجل «قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين» ومن بين الفوائد الكثيرة التي تعود علينا من دراسة التاريخ هو ما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله علىه وسلم أنه قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين».

 

فعندما تقول لشخص ما إن ما يدور في مصر من أحداث خلال السنوات الماضية حدث في دولة أخرى منذ نحو نصف قرن، مع الاختلاف في بعض التفاصيل لا يصدقك، فها نحن الآن نبحث وننظر في تاريخ دولة رومانيا ونرى أنها ليست بعيدة عن ما حدث ويحدث الآن في مصر.

فيما يلي سنعرض بعض تفاصيل ثورة رومانيا وما تلاها من أحداث فمن خلال التفاصيل سيستطيع القارئ أن يسقط هذه الأحداث على أغلب ثورات الربيع العربي وفي المقدمة مصر، حيث أن الثورات هي قاطرات التاريخ كما قال كارل ماركس.

ثورة رومانيا 1989م

الثورة الرومانية هي إحدى الثورات التي قامت في بوخارست عاصمة رومانيا في ساحة أوبيريي وذلك في السادس عشر من كانون الأول لعام 1989م، وقد كان هدفها الرئيسيّ الإطاحة بالديكتاتور الرئيس نيكولاي تشاوتشيسكو الذي كان قابضًا على زمام الحكم منذ 1969، والحزب الشيوعي الروماني المحتكر للسلطة إبان الحرب العالمية الثانية، فرومانيا كانت من نصيب الاتحاد السوفًيتى في صفقة عقدها جوزيف ستالين مع ونستون تشرشل في موسكو أثناء الحرب وحصل تشرشل في المقابل على اليونان لتكون في إطار النفوذ الغربي.

 

هذه الصفقة «المعروفة باسم اتفاقية يالطا» وحدها هي المسؤولة عن تاريخ رومانيا بعد الحرب، فالحزب الشيوعي الروماني حينها لم يكن مسجلًا على قوائمه أكثر من 1000 عضو و مع ذلك انتهى الحال برومانيا إلى أن تكون بفعل الاحتلال السوفيتي دولة شيوعية يحكمها حزب ستاليني.

 

أسباب قيام ثورة رومانيا

هي نفس أسباب قيام أي ثورة حيث إن أغلب الثورات التي اندلعت في الماضي تشترك في أسباب واحدة وهي قمع الحريات والتنكيل بالمعارضين وانهيار الاقتصاد والاستئثار بالإعلام وما إلى ذلك من الأسباب التي تعمل على قيام الثورات.

 

بداية الثورة

كان هناك كاهن تابع للكنيسة البروتستاتية معروف بنقده اللاذع للنظام الديكتاتوري الاشتراكي، قد تلقى أمرًا من النظام بإبعاده إلى قرية بعيدة، إلا أنه رفض ذلك، وبالتالي فإنّ السلطات أمرت بتنفيذ الإبعاد بنفسها وذلك في تاريخ الخامس عشر من ديسمبر لعام 1989م، وفي نفس اليوم تجمّع الآلاف من المتظاهرين في الميدان المقابل للكنيسة لمنع السلطات من تنفيذ قرارها، وتمّ خلاله اندلاع الاشتباكات بين قوات الأمن الروماني والمتظاهرين، وفي صباح إليوم الثاني ازداد عدد المتظاهرين في الساحة وازدادات الاشتباكات، لكن لم تكن تلك القوات الأمنية مسلحة، لذلك لم يسقط ضحايا بشرية، وفي إليوم الثالث تمّ استدعاء اللجنة السياسية التنفيذية لدى نيكولاي إلى اجتماع مهم وطارئ، وصب خلاله غضبه الجامح على وزير الدفاع، إذ اتهمه بالتقاعس تجاه المواجهات القائمة، ثمّ أمرهم بشكلٍ مُباشر بقتل مثيري الشغب الذين يهدفون لزعزعة أمن رومانيا، وفي مساء السابع العشر من تشرين الأول أو كما يُسمّى بالأحد الدامي تم فتح النيران على المتظاهرين وبالتالي تم قتل العديد من الأفراد، وعندما وصل الخبر إلى باقي الرومانيين الموجودين في البلاد زادت التظاهرات في المدن الأخرى، في العشرين من كانون الأول تم انقلاب الجيش ضد نيكولاي، والوقوف مع الشعب، مما أدى ذلك إلى هتاف الجماهير الجيش معنا، كما تم تكوين اللجان الثورية الشعبية.

 

ظل الإعلام الروماني يعتمد على أحداث رومانيا، ويبعد أنظار الشعــب عن الثورة، وأخذ هذا الإعلام بالتمادي في خداعهم بأن هذه الأحداث السبب فيها «قوى وأجندات خارجية» تستهدف أمن واستقرار البلاد ونظرًا لهذا التعتيم فقد لجأ الشعب إلى تتبع أخبار ثورة بلدهم عبر الإذاعات الغربية كإذاعة أوروبا الحرة وإذاعة صوت أمريكا، وفي يوم 21 ديسمبر 1989 تم استدعاء أنصار النظــام ورغم قلتهم إلا أن وسائل الإعلام الرسمية صورته ووصفته بأنه« تحـــرك شعبـــي كـــاسح» لمؤازرة تشاوشيسكـو.

 

سقــــوط تشاوشيسكـو

وبعد حوالى أسبوع من المواجهات في المدن بين قوات الأمن والمتظاهرين اضطر تشاوتشيسكو وزوجته إلينا للهرب حيث تم إلقاء القبض عليهما ومحاكمتهما بشكل صوري، ثم ما لبثا أن تم إعدامهما ضربًا بالرصاص، وتلى ذلك القبض على رؤوس الحزب الشيوعي الحاكم المقربين للديكتاتور المعدوم وتقديمهم للمحاكمة وسجنهم، عمّت الفرحة كامل أراضي الدولة الرومانية، وخرج الشباب مُهللين بانتصارهم لإسقاطهم للدكتاتور الذي أفسد الحياة السياسية في البلاد ومارس ضدّهم كل أنواع التعذيب والقتل.

 

المرحلة الانتقالية

سنتناول المرحلة الانتقالية باختصار كي لا أطيل في سرد التفاصيل، حيث إنه بعد هذا النجاح حاولت الأجهزة الأمنية التي كانت ترغب في الحفاظ على مصالحها الشخصية بخلق سيناريوهات إرهاب وهمية لنشر الخوف في قلوب الشعب الروماني فقاموا بمُهاجمة العديد من الأماكن الحساسة في البلاد، حيث إنه كانت هناك تفسيرات مختلفة تدور كلها في فلك اعتبار الأحداث بعد 22 ديسمبر متعمدة ومسرحية، منها أن الجيش الذي كان يطلق النيران على المتظاهرين طوال الفترة من 17 إلى 22 ديسمبر كان في حاجة إلى عملية تجميل لصورته، التي لطخها دوره في قتل الثوار، وبالتالي كان لا بد من اختلاق عدو خفي وشرس للثورة يتولى الجيش مواجهته، ليظهر بمظهر حامي الثورة والشريك الذي لا غنى عنه في إنجاحها، واستمرت أحداث إشاعة الفوضي في البلاد وذلك في مُحاولة منهم لتشويه مفهوم الثورة عند البُسطاء من عامة الشعب، لتمهيد الطريق لجبهة تحفظ لهم مصالحهم وتُسيطر على البلاد بقبضة من حديد وهذه الجبهة هي «جبهة الخلاص الوطني» التي انبثقت من الجيل الثاني من الشيوعيين والتي كان يتزعمها إيون إيليسكو أحد رجال الديكتاتور المخلوع نيكولاي تشاوتشيسكو ونائبه.

سيطرت «جبهة الخلاص الوطني» على وسائل الإعلام الرسمية وقامت بعمل دعاية مُضادة لخصومهما السياسيين من الأحزاب الديمقراطية التي عملت على الظهور من جديد بعد سنوات عديدة من العمل السري.

 

عمل «إيون إيليسكو» على إعادة نظام الديكتاتور المخلوع «نيكولاي تشاوتشيسكو»، بجلب أعضاء نظامه للظهور من جديد على الساحة السياسية وذلك بعد عقد صفقات معهم ومع جنرالات الجيش.

السرعة والسهولة التي تشكلت بها حكومة جبهة الإنقاذ الوطني أثارت الشك في وجود مؤامرة لقلب نظام الحكم في أروقة الحزب والسلطة منذ زمن كانت فقط تنتظر فرصة سانحة وهو ما أتاحته لها الثورة، وأكدت تقارير وتصريحات لاحقة كثيرًا من هذه الشكوك، إضافة إلى ذلك كان التحول المفاجئ لموقف الجيش من الثورة دليلا واضحًا على أن مفاوضات بين قياداته وبين الحكومة الجديدة قد جرت وتوصلت إلى طمأنة الجنرالات بأن حكومة من رجال سياسة ستتولى قيادة البلاد وليس «جماعة من المثقفين الثوريين».

فيما بعد تأكدت هذه الشكوك فوفق تصريحات في أغسطس 1990 لأول وزير دفاع بعد الثورة كانت مؤامرات التخلص من شاوشيسكو تحاك منذ منتصف السبعينيات، و في بداية الثمانينيات استقر رأى المتآمرون على اختيار إيون إيليسكو خليفة للدكتاتور، هذه الملابسات كلها جعلت التساؤل مشروعًا عما إذا كان ما أطاح بشاوشيسكو في نهاية عام 1989 هو ثورة شعبية حقًا أم نقلاب من داخل نظامة نفسه.

فهذا السؤال طرحه الكاتب تامر موافي في كتابه «رومانيا ثورة أم انقلاب؟»

 

فيما بعد انتبه شباب رومانيا الثوري لمثل هذه الأمور، فاندلعت المُظاهرات من جديد وقاموا بعمل اعتصامات، وكان التفاف «إيون إيليسكو» على الثورة بترشيحه لنفسه لفترة ثانية لرئاسة رومانيا بمثابة الفتيل الذي أثار الشباب الروماني.

لجأ «إيون إيليسكو» للإعلام، فشكك في شباب رومانيا الثائر واتهمهم بالعمالة للخارج، وتلقى التمويل من الجهات الخارجية، بهدف زعزعة استقرار البلاد.

وبالفعل بدأ في مُحاكماتهم مُحاكمات عاجلة وعمل على التنكيل بكل من يُعارضه، بحجة العمل على زعزعة استقرار البلاد، وأوهم الشعب البسيط بأنه هو الوحيد القادر على توصيل رومانيا إلى بر الأمان وحماية البلاد من الخطر الخارجي.

وبالفعل نجح «إيون إيليسكو» في التأثير على عموم الشعب من البُسطاء، فتعاونوا معه وبدؤوا في مُهاجمة شباب رومانيا الثائر.

 

وعندما اشتعلت المواجهات استعان (إيون إيليسكو) بآلاف العمّال من المناجم وصور لهم أن شباب رومانيا الثأر هم خونة وعملاء ويريدون خراب البلاد فجلبهم في شاحانات إلى العاصمة «وخارست».

وقام بتسليحهم بأسلحة متطورة وهاجموا الطلبة لمدة يومين، أسفر الصدام عن وقوع المئات من القتلى وآلاف الجرحى، وقدم «إيون إيليسكو» بعد ذلك الشكر لعُمال المناجم الذين سموا بالمواطنين الشرفاء على ما قدموه من خدمة لوطنهم لقيامهم بالتصدي لهؤلاء العُملاء حسب وصفه لهم.

 

نجحت «جبهة الخلاص الوطني» في إجهاض الثورة الرومانية بعد سنة ونص فقط من قيامها وفقدت الثورة الكثير من التعاطف الدولي لها، وفاز إيون إيليسكو بالرئاسة بأغلبية ساحقة بنسبة 85%.

 

رومانيا الآن

رومانيا هي ثاني أفقر دولة أوربية. الرئيس الحالي لدولة رومانيا هو باسيكو كان عضوًا سابقا في الحزب الشيوعي الروماني.

في 2012 قامت مظاهرات حاشدة ضد سياسة التقشف التي تتبعها الحكومة وفقًا لإجراءات صندوق النقد الدولي ونتيجة هذه المظاهرات هي إسقاط الحكومة.

 

اختلف البعض على عبارة «التاريخ يعيد نفسه» فهل حقًا التاريخ يعيد نفسه أم هي حماقات البشر؟!

لم تعجب هذه العبارة الفيلسوف الألماني هيجل وعلق عليها قائلًا:

 

التاريخ يعيد نفسه نظرية المهزوم وأنه لا أساس لها من الصحة، ويُراد بها أن تستخدم بشكل سلبي للتأثير على المجتمعات، أما ماركس فقد أيّـد هيجل ونبذ الإثنان هذه النظرية ومروجيها.

 

إذن «التاريخ يعيد نفسه» لا يؤمن بها ولا ينفذها إلا من هو ضعيف مستسلم

راضٍ بما يقع عليه وليس لديه الحرية ليرفع عن نفسه الظلم وفي هذا الخصوص يقول المفكر والفيلسوف العربي المسلم ابن خلدون:

 

«التاريخ حين يكتب نفسه من جديد يختلف فيه أسماء المجتمعات والدول والقوة والضعف فكل عصر له مجتمع متفوق على غيره والهدف العام هو تقديم المعرفه للآخرين فهذا الهدف الأساسي لكل قوة في أي عصر ولكن لا أنكر أنني أحتمل أن الحضارات ما زالت موجودة وأنا منعنا من رؤيتها أي كالحاجز بين البعدين كل يقدم الكثير لتلك الحضارة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد