في رواية «عائد إلى حيفا» للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، نرى حضور الذاكرة الطاغي، الذاكرة الفلسطينية بكل ما تحمله من جراح ومآسٍ عن الأرض المسلوبة، ذكريات عن البلد قبل الحرب، قبل التهجير. فهذا المثال الفلسطيني بعد حرب 1948، بعد خروجه من المعتقل، يرفض الخروج من يافا ويستأجر بها بيتًا من الحكومة لأحد الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم، ليجد صورة أحد الشهداء معلقة في البيت يُبقي عليها لأنها -كما يقول- كالجسر الذي يربط بينه وبين هؤلاء المهجرين، بينه وبين فلسطين القديمة، فلسطين غير المحتلة.

لم يقع غسان في فخ المظلومية واستحضار اللحظة الماضية بكل ما تحمله؛ فلسطين الحقيقية ليست مجرد ذكرى عنده يعيش عليها الفلسطيني ويتذكرها، يتذكر شوارعها وبيوتها وأهلها وينتظر لها الخلاص. فهل الذاكرة الحاضرة المشتعلة دائمًا لدينا كافية لاستعادة الأرض؟

في كتابه «ثورة 36- 39» لا يكتفي غسان كنفاني بتوثيقه لأحداث ثورة 1936 في فلسطين المجهولة لدينا، فمنا من يعتقد أن القضية بدأت بحرب 1948، فيقوم الكتاب بالأساس على نقد ما حدث وأدى إلى فشل الثورة والانتهاء إلى هذا الكابوس، فهو بالدرجة الأولى تشريح ونقد للمجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت من ضعف الحركة الوطنية، وضعف الحزب الشيوعي الفلسطيني، وسياسة الانتداب البريطاني القائمة على التمييز بين اليهود القادمين، والفلسطينيين أهل البلد؛ مما أدى لإحلال وجود يهودي بدل من الوجود الفلسطيني على مستوى الفلاحين وعمال المصانع.

وبالوعي نفسه يقدم عبد الوهاب الكيالي «تاريخ فلسطين الحديث»، لا يقصد منه تأريخ لفلسطين وحسب، ولكنه يتعامل مع الماضي ليس بوصفه ذكرى أو حدثًا، بل من منطلق نقدي ثوري لحالة الفشل المستمرة لفلسطين ولغيرها، والتي ربما لم يع الكثيرون أسبابها.

وانطلاقًا من فلسطين، فالوضع مأزوم في باقي الوطن العربي: ثورات متعثرة، إحباط مخيم ينتهي بالعدمية في كثير من الأحيان، الكثير انقلب ضدها أو على الأقل اعتبرها لم تحدث، والأكثرية ممن شاركوا فيها أو الجيل اللاحق عليها تستحضر لحظة الثورة، وتعيش فيها بوصفها ذكرى و«أعظم حدث في تاريخ مصر الحديث»، وتنكر الواقع القاسي دون أدنى محاولة لإعادة النظر في ما حدث.

يسيطر على الشباب حاليًا شعور بالمظلومية من أنهم قاموا بثورات وقدموا تضحيات كثيرة وضُحك عليهم، أو فشلوا من سرقة للثورة، وتحالفات من التيارات الإسلامية مع العسكر، ويسار هش لم يحقق الحد الأدنى، وانقلاب من جديد من العسكريين ليعود الوضع كيفما بدأ. لذا فإن لحظة الثورة حاضرة ولا زلنا عالقين فيها.

ويغذي هذا الشعور عدم وجود محاولات جدية إلا القليل لإعادة قراءة ما حدث ونقده، غالبًا ما ينشر هو إما كتابات عاطفية انفعالية من المفترض أن تقل حدتها -لا أن تختفي- أو توثيق للأحداث على أهميتها نظرًا إلى محاولات الطمس والتجني على ما حدث، ولكنه يفتقر لهذه المحاولات الجادة من الفهم وإعادة النظر.

ربما علينا أن نخرج من هذه اللحظة، لحظة الثورة -لا ننكرها- لأن هذه اللحظة عاطفية وانفعالية بالدرجة الأولى، ونتخلص من الشعور بلحظة رومانسية الثورة ومشهد ميدان التحرير المهيب، ونعي اللحظة الراهنة لنكون لحظة حاسمة، وأيضًا نتخلص من الشعور بالظلم الواقع علينا. نعم تعثرت الثورة، ولكن تلك في ظني طبيعة الثورات، ونسعى جديًّا لمحاولة فهم ما جرى وما يجري ونقده، فالنظرة السوداوية أو الحالمة للثورة لا تفيد كثيرًا.

وختامًا يقول الكاتب والمناضل سعد زهران أحد معتقلي سجون عبد الناصر في الستينيات في كتابه الأوردي «مذكرات سجين» عن معنى اللحظة الحاسمة أنها لا بد أن تكون: «لحظة يقظة وتبصر، لحظة وعي بحقيقتنا وإدراك لمقدراتنا، لحظة اكتشاف ومكاشفة للنفس وللغير، لحظة محاسبة للنفس وللآخرين، لحظة فهم لتاريخنا ومعرفة دقيقة لمقدراتنا، لحظة امتلاك قدرنا بأيدينا وانتزاعه من أيدي مستعبدينا، لحظة صراع خصب ومعركة حقيقية، وانتصار لإرادة الحياة والتقدم فينا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات