المسلسلات التركية المدبلجة مثلا

قصص حب بالجملة، فهذه متزوجة من رجل لا تحبه، ولها طفل غير شرعي من رجل آخر، وتحب شخصًا ثالثًا، وابنتها المراهقة تعيش قصة حب مع مراهق آخر ربما كان زميلها في الدراسة أو جارها، وتلك عجوز أرملة التي تبحث عن حب تعيد بها الشباب، مسلسل مليء بقصص الحب، ولجميع الشرائح، أطفال، مراهقين، شبابًا وشيوخا.

بطلة وبطل وبعض المقربين منهم الطيبين، وآخرون أشرار، البطل يريد الزواج من البطلة لأنه يحبها، وفجأة يظهر أشخاص أشرار آخرون يريدون أن يفسدوا على الأبطال الطيبين فرحتهم، يضمرون لهم الشر ويصنعون لهم الكمائن، يواجه الأبطال أصعب المواقف والظروف ويتغلبون عليها، قد يصاب بطل المسلسل برصاصة مباشرة في قلبه، لكنه لن يموت ولن يحدث له أي مكروه، فقط وبكل بساطة لأنه البطل! يمكن للبطل أن يقتل الأشرار بلا حسيب ولا رقيب، وأن يعنفهم دون أن تعاقبه الشرطة، فالشرطة لا تتدخل إلا حينما يأذن لها المخرج بذلك. وفي آخر المطاف وبقدرة قادر يجتاز أبطال المسلسل كل تلك العوائق وينتهي المسلسل بحدث سعيد.

باختصار هذه نبذة عن جميع المسلسلات التركية التي تبثها قنواتنا الفضائية، وجميعها تتمحور حول نفس القصة، دبلجت للغة لا هي بالعربية الفصحى ولا هي باللهجة العامية، لغة هجينة تجمع بين كلمات من هنا وهناك، مسلسلات تحمل أفكارًا غريبة عن مجتمعنا العربي والإسلامي، ولا تمت لثقافتنا ولهويتنا العربية والإسلامية بصلة، عن طريق مشاهد عاطفية تؤثر في المشاهدين وتجعلهم يتعاطفون مع البطل(ة) حتى وإن فعل شيئًا محرمًا ولا أخلاقيًا، فتجد أن المشاهد يتعاطف مع زانية، ولدت طفلها خارج إطار الزواج، وقد يتعاطف المشاهد مع زوجة خائنة تخون زوجها بدعوى أنها لا تحبه وتزوجته رغما عنها، وسيتعاطف مع فتاة مراهقة تعصى أمر والديها وتهرب مع حبيبها الذي تحبه في سبيل الحب. فهذه المسلسلات تحلل الزنى والخيانة باسم الحب، والحب في هذه المسلسلات هو أسمى ما في الوجود وهو ما يعيش لأجله الإنسان، فكل شيء يتمحور حول الحب و«الحب يبرر الوسيلة».

قد يقول قائل: إن ذلك محض افتراء وخزعبلات، فأنا أتابع المسلسل للترفيه ليس إلا، وأحداث المسلسل لن تغير من قناعاتي شيئًا، ولن تؤثر في.

لكنني سأجيبه وسأرد عليه بأن قناعاته ومبادئه وأفكاره لن تتغير بسرعة البرق، وإنما يتم ذلك شيئًا فشيئًا، فالغير مرغوب فيه والعيب بالنسبة إليك عزيزي المشاهد ومع مرور الوقت سيصبح مقبولًا ومرحبًا به وستتعود عليه.

فدعني أسألك سؤالًا، كيف لك أن تقنع ابنتك بأن الزنا حرام وأنت قبل لحظات كنت تتعاطف مع بطلة زانية في مسلسل معين؟ وكيف لك أن تقنع ولدك أو ابنتك بطاعتك وأنت تتعاطف مع بطل مسلسل عاق يعصى أوامر والديه باسم الحب؟ فإن لم تتأثر أنت بما يحمله المسلسل من أفكار فكن على يقين تام بأن ابنتك أو زوجتك أو ابنك سيتأثر بذلك.

إن يزرع الشوك لن يحصد الورد أبدًا، إن المشاهد وكيفما كان نوعه فهو يتأثر بشكل أو بآخر بأحداث المسلسل وسيرغب في تقليد بعض «الأبطال» فالمخرج سيجعل من هؤلاء قدوة في نظر المشاهد. فبعض المشاهدين سيرغب في أن يشتري ساعة كالساعة التي يضعها أحد الممثلين، وبعضهم سيشتري حذاء كالذي يلبسه بطله المفضل، وأخرى تريد أن تعيش حياة فارهة كالتي تعيشها بطلة مسلسلها المفضل، وآخر سيدخل في مغامرة حب غير محسوبة العواقب، تقليدًا أو دعوني أقل اقتداء ببطله المفضل، وها هو ابنك سيحاول تعنيف بعض زملائه والدخول في شجارات محاولًا أن يخرج منها منتصرًا مقلدًا بطله المفضل.

إن ما ذكرته ليس إلا قليلًا من بين كثير من الأشياء قد يقوم بها المشاهد المتأثر حتما بما تراه عيناه في المسلسلات العاطفية، حيث إن هذه المسلسلات تحقننا بجرعة رسائل وأفكار كنا نرفضها قبل وقت قريب.

عزيزي المشاهد، إن رفض بعض الأفكار والمشاهد لا ينبغي أن يكون رهينًا بما نعيشه في حياتنا الواقعية، فإذا كنت ترفض أن ترى مشاهد العري في الشارع وأنت برفقة أسرتك، فعليك أن ترفضها على شاشتك وألا تشاهدها على هاتفك أو شاشة تلفازك. وإذا كنت ترفض العنف في حياتك الواقعية وتنبذه فلا يجب أن تشاهد مشاهد العنف على شاشتك الصغيرة.

لا أقول لك كُفَّ عن مشاهدة المسلسلات أو أحرم مشاهدة المسلسلات، فأنا لست أهلًا لذلك، وليس بيدي أن أحلل أو أحرم، إنما أسدي إليك نصيحة بأن تختار الأنسب والأفضل والذي يعود عليك بالنفع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد