الثأر؛ كانت تلك الكلمة هي المُعبر الوحيد عن مشاعر الشعب الأمريكي في يوم 8 ديسمبر 1941م الذي كان يطالب حكومته أن تثأر لأبنائهم الجنود الذين فقدوا حياتهم على يد عدو غدر بهم دون أي سابق إنذار.

حيث قام الأسطول البحري لإمبراطورية الشمس المشرقة (اليابان) بقيادة الأدميرال إيسوروكو ياماموتو في يوم 7 ديسمبر 1941م بشن هجوم ساحق على البحرية الأمريكية في ميناء بيرل هاربر أو كما يسميها السكان الأصليون (ساحل اللؤلؤ) كضربة استباقية للأسطول الأمريكي.

وكانت نتائج هذا الهجوم خسارة الولايات المتحدة الأمريكية 17 قطعة بحرية من بوارج ومدمرات وطرادات وسفن أخرى بين غرق كامل وأضرار جسيمة، وتدمير 188 طائرة وإتلاف 155، وموت 2345 جنديًا و57 مدنيًا فقد كان الهدف من هذا الهجوم هو إزالة عقبة القوة الأمريكية في طريق طموح الإمبراطورية للسيطرة على الصين الهندية وهدم إرادة الشعب الأمريكي.

فكانت تلك الرواية هي ما تم تصديره للعالم كله عامةً والشعب الأمريكي خاصةً عما حدث في هذا اليوم ليكون مبررًا لسلسلة من عدة أحداث مستقبلية بداية من دخول الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية وصولًا لإلقاء القنبلة النووية Fat Man على مدينة ناجازاكي 9 أغسطس عام 1945م.

فإذا نظرنا للأوضاع قبل ذلك الحدث لوجدنا الرايخ الثالث يجتاح أوروبا تلك القارة العجوز والاتحاد السوفيتي، ومجموعة الجزر تلك المسماة اليابان تمتلك قوة عسكرية لا يستهان بها بعد انتصارها على الجيش الإمبراطوري الروسي بتاريخ 11 من أكتوبر 1906م كما نجحت عام 1931م في حرب ضد الصين ثم احتلت الصين عام 1937م، وبعدها بعام حاولت غزو الاتحاد السوفيتي وتتطلع إلى السيطرة على الموارد الطبيعية مثل النفط والمطاط لدى الهند الصينية الفرنسية وملايا البريطانية وجزر الهند الشرقية الهولندية.

وكان رد فعل الولايات المتحدة على ذلك العدوان هو دعم الحلفاء في أوروبا لمواجهة ألمانيا ومعاقبة اليابان بوقف شحنات الطائرات، وقطع الغيار، والمعدات الآلية وبنزين الطيران، وذلك كان أقصى ما توصل إليه فرانكلن روزفلت وإدارته منذ بداية الحرب لكنه كان يطمع في المشاركة الفعلية في الحرب ولكن رفض مجلس الشيوخ وتخوفهم من جلب الحرب إليهم ما كان يمنعه.

فكان لابد من خلق سبب قوي لتغيير الرأي العام وحشده لدعم المشاركة في الحرب، فما كان من الإدارة الأمريكية سوى إعداد فخ لليابان وبأقل ثمن حتى يتسنَّى لها تنفيذ خططها تجاه الحرب ومع تأييد كامل من الجماهير والمجتمع الدولي، فما يعرفه الناس عن دخول الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية هو تلك القصة عما حدث في ميناء بيرل هاربر. حيث دخلت الولايات المتحدة في حرب شاملة ضد اليابان مما ترتب عليه انضمام اليابان لمعسكر المحور فتكون بذلك صفقة مربحة للطرفين متمثلة في مساعدة ألمانيا وإيطاليا لليابان في القتال ضد الولايات المتحدة في الغرب، ومساعدة اليابان لدول المحور في الحرب ضد الاتحاد السوفيتي في الشرق.

وتلك كانت القصة السخيفة التي يعرفها معظم الناس بفضل دعاية المنتصر والتي ظهرت في العديد من الأعمال الهوليوودية مثل فيلم Pearl Harbor من إنتاج عام 2001 وأيضًا فيلم In Harm’s Way من إنتاج عام 1965م والعديد من الروايات والأعمال الفنية عن ذلك الحدث المهم، حيث تظهر اليابان في مشهد الغازي الذي يطمع في السيطرة على قارة آسيا ويهاجم الولايات المتحدة لفرض سيطرته على المحيط الهادئ فيهب الجيش الأمريكي مدافعًا عن العالم ضد العدوان.

ولكن هل هذا هو المشهد بالكامل؟ إذا رجعنا بالأحداث قليلًا للوراء لوجدنا اليابان في حالة حصار اقتصادي وتحت عقوبات دولية، وهي تعرف جيدًا مدى التفوق العسكري الأمريكي عليها وتشعر بالتهديد من الولايات المتحدة خصيصى تجاه طموحاتها في بسط نفوذها على الهند الصينية للسيطرة على مواردها الطبيعية نظرًا لفقر الموارد الطبيعية لدى اليابان وذلك كان العرف السائد بين الدول العظمى في ذلك الوقت منذ دخول اليابان في الحرب العالمية الأولى طمعًا في وراثة ممتلكات الإمبراطورية الألمانية في قارة آسيا.

فنجد أن الرئيس فرانكلن روزفلت قد أمر بنقل الأسطول الأمريكي كاملًا من قواعده في المحيط الأطلنطي إلى ميناء بيرل هاربر لإبعاده عن لهيب الحرب المستعرة في أوروبا، وكان ذلك من منظور اليابان تهديدًا مباشرًا من الولايات المتحدة وإعلانًا للتدخل العسكري في حال تمادت اليابان في غزوها لدول آسيا.

حيث يقر روبرت ستينيت في كتابه (Day of Deceit: The Truth About FDR and Pearl Harbor) بتقديم تقرير من أحد ضباط وكالة المخابرات الأمريكية عام 1940 إلى الرئيس الأمريكي روزفلت عن أهمية الاستعداد لهجوم من قبل إمبراطورية اليابان على بيرل هاربر، وما كان من روزفلت وإدارته سوى تجاهله تمامًا. وتكرر ذلك أكثر من مرة عند تلقي العديد من التحذيرات من قبل المملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي وكوريا تفيد بوشك حدوث هجوم ياباني على بيرل هاربر. إذًا بالنسبة للحكومة الأمريكية لم يكن الهجوم مفاجئًا على الإطلاق.

فإذا تعمقنا أكثر لوجدنا مستندات ووثائق حكومية أمريكية تفيد بنجاح المخابرات الأمريكية في كسر شيفرة الاتصالات العسكرية اليابانية (JN25) قبل الهجوم بعام كامل مما يعني معرفة البحرية الأمريكية بجميع بمحادثات أسطول الهجوم الياباني المكون من ست حاملات طائرات بحمولة 414 طائرة وبارجتين وستة طراريدات ثقيلة وطراد خفيف وتسع مدمرات وثلاث وعشرين غواصة وخمس غواصات قزمية والذي قام بوقف الاتصالات في آخر ساعة قبل الهجوم، ونجد أيضًا أن معظم القطع الأمريكية التي كانت في ميناء بيرل هاربر قطع قديمة منذ الحرب العالمية الأولى حيث تخلو من حاملات الطائرات والتي كانت الهدف الرئيسي للطيارين اليابانيين حسب خطة مهندس الهجوم الأدميرال ياماموتو، والذين اضطروا لمهاجمة المدمرات عوضًا عن الحاملات عندما تفاجؤوا بعدم وجودها، وكان من الأهداف الاستراتيجية للهجوم هو ضرب صهاريج تخزين النفط والذي لم يصب بأضرار تذكر، ويذكر العديد من المحللين الاستراتيجيين مثل الأدميرال روبرت ثيوبالد أنه إذا نجح اليابانيون في تفجيره كان سيؤدي إلى عجز وشلل كامل للدعم اللوجيستي الأمريكي.

وكشفت أيضًا الوثائق المعلن عنها مؤخرًا عن استلام السفير الأمريكي في اليابان الساعة 06:00 صباحًا إخطارًا من الحكومة اليابانية يحتوي على 500 كلمة تقر فيه الحكومة بفشل التوصل لأي حلول دبلوماسية لإصلاح الوضع وإعلان الحرب رسميًا على الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك قبل أن يبدأ الهجوم في تمام الساعة 08:05 صباحًا أي قبل بدء الهجوم بساعتين وفقًا لآداب المعارك وليس ساعة واحدة، وذلك ما يعارض ادعاء الرئيس الأمريكي في خطابه المشهور في الكونجرس «A date which will live in infamy».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد