كثُرت الكتابات في الآونة الأخيرة عن التطبيع ومظاهره، وحُلِّلت تحت أضواء الأحداث السياسية، إلا أننا لم نجد تأصيلًا له، أو بالأحرى سلسلة الأحداث المتعاقبة التي تمخض عنها التطبيع الخليجي اليوم (حديثي عن المقالات المنشورة)، لذلك آثرت الحديث عن هذا الموضوع، لما له من أهمية كبرى في بناء الوعي بتاريخنا المعاصر والحاضر.

فمتى كان التطبيع العربي الأول؟ وكيف انعكس على الواقع؟

من جهتي أعتبر أول عملية تطبيع عربي كانت بتحالف الشريف حسين مع بريطانيا، وإنشاء اتفاقيات بين الطرفين بتواطؤهما على صناعة ثورة عربية ضد الحكم التركي العثماني المركزي.. وعلى نفس الطريق تلاه ابن سعود فابنه فيصل، الذي قال لورانس عنه إنه قادر على أن يضرم الصحراء بالنار[1].

ولورانس هو الرجل الذي قاد فيصل إلى تولي الشام ودعمه بالذهب لوزعها على أصحاب القومية العربية بالعراق وسوريا، قال فيه بار شجع لورانس طموح فيصل للوصول إلى دمشق.. «زوده بالذهب.. لربط جيشه المشاكس الذي يتألف من القبائل والقوميين السوريين والعراقيين معًا». [2]

وقد تناول كتاب «خط على الرمال» خطة تقسيم العالم الإسلامي على لسان سايكس وهو يحاور لورانس شارحًا آفاق الخطة: الاستقلال التام.. «يعني: فقرًا وفوضى»[3].

وذكر فرومكين تفصيلات عن تقسيم الشام؛ إذ يقول: «باشرت السلطات الفرنسية تقسيم سوريا إلى وحدات فرعية، إحداها لبنان الكبير.. أعلن الجنرال غورو قيامه في أغسطس (آب) 1920» [4].

وبهذا تم احتلال سوريا عبر تمثيلية متفق عليها بين المحتلين والخونة العرب، إن السهولة التي تم بها احتلال دمشق بدت فاضحة لادعاءات فيصل والقومية العربية باعتبار هذه الادعاءات خدعة من ابتكار بريطانيا [5] ويضيف فروميكين: «ليصدق السذج فيما بعد وجود جيوش عربية قاتلت الإنجليز، ودافعت عن حق الأرض وعن دم العرب».

كانت إذًا الخطوة الأولى التي تم بها التخلي عن بيت المقدس بجعلها قضية مرتبطة بالقومية العربية التي كانت تمثيلية بإخراج بريطاني اختيار فيصل سيدا على متن المسرح – إذ وضعته حاكمًا على الشام – فكان أول دمية متحركة وظيفية تلبي نداء الغرب في تحقيق مصالحه.

وما يؤكد لنا هذا الطرح قول لورانس: «إن بريطانيا مدينة بالكثير لفيصل وأتباعه»[6].

وتحت سلطة الانتداب حصلت بريطانيا على السيطرة على فلسطين عبر الأردن والعراق؛ فرنسا حصلت على سوريا ولبنان[7] وما نعلمه أن بريطانيا الداعمة المباشرة للصهيونية وصرحت بالأمر رسميًا بإعلان وعد بلفور[8].

نتحصل إذًا على أن احتلال الأراضي المقدسة كانت بعوز وعون داخلي (الخيانة الداخلية) كخطة أولى.

– أن الخطوة الثانية للتطبيع كانت بحلق قائد من العرب وهمي (قيام عناصر وظيفية تخدم الأجندة الخارجية).

الخطوة الثالثة الاستفراد بأراضي فلسطين وعزلها عن باقي الأمة (بالتالي سهولة السيطرة والتحكم فيها).

والحل إذًا في إنهاء سلسلة التطبيع هو القضاء على الوظيفيين، أنظمة، وأشخاصًا، ومؤسسات، وإعادة قضية فلسطين لعقيدة الأمة الإسلامية، بدلًا عن الاستمرار في اعتبارها قضية قومية وطنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد