أغلب الاستفسارات التي جاءتني كانت عن المحددات الچينية للميول، برغم تأكيدي في مقالتي الأولى أنني لا أنوي الخوض في مناقشة القائلين بتحديد الميول سلفًا بالچينات لعدة أسباب أهمها أن العلم كاللبن إذا ما دخلت إليه الأيديولچيا أو السياسة أفسدته ولا يكون إلى تنقيته سبيل، وقضية الجنسية المثلية نشأت في أحضان الأيديولچيا ودخلت إليها السياسة والعلم، فالتزام الحياد والموضوعية بات شبه متعذر، ولكن أزعم أنني أقترب من الحياد إن قلت أن هناك مدرستين في العلم إحداهما ترى أن الجنسيّة المثلية اضطراب نفسي لدى طفل شديد الحساسية اختبر طفولة غير صحية، ومدرسة أخرى ترى أنها تنوع بشري بل تذهب لأبعد من ذلك وتقول بأن الميل الجنسي محدد چينيًا، ولكل مدرسة ما تلوّح به من الأوراق العلمية والأدلة.

 

لكن ما أود أن أشير إليه هو أن الأبحاث العلمية ليست كتبًا مقدسة، والتاريخ مليء بالأوراق العلمية التي قُدِّمت لغرض مادي أو سياسي، ثم تم إسقاطها علميًّا ولكن بعدما تكون قد أعطت الميديا شيئًا ما يُمكن التلويح به، وأبحاث الچينات قبل حل الشفرة الوراثية بداية الألفية الثانية مضطربة جدًا، ولكن واحدة من أهم هذه الدراسات هي أبحاث التوائم المتماثلة وهي تُقدم أدلة صلبة ولا تعتمد بالضرورة على معرفة الشفرة الوراثية مكتملة إذ لا تعتمد التخمين، وهناك ثلاث دراسات على التوائم المتماثلة ليس بينهن واحدة تدعم هذا الزعم بتحديد الميول چينيًا، بل ولا يُمكن رسم خريطة مندلية تدعم القول بأن هناك چينًا محددًا مسؤول عن ظهور الصفة، بالإضافة إلى الدليل الدامغ على ضعفه وهم المتعافون من المثلية فعليًّا!

 

أنا هنا لست ألوح بورقة سبيتزر البحثية فقط – على أهميّتها – وإنما بأن الكثير من معالجي المثلية الأشهر هم مثليون سابقون مثل ريتشارد كوهين وفلويد جودفري، وهم يتمتعون الآن بحياة غيريِّة/سويّة هانئة، وكما يقول چيفري ساتينوڤر – دكتوراة علم النفس الإكلينيكي، هارڤارد، مؤلف كتاب المثلية وسياسة الحقيقة: ”لقد كنت أعتنق الرؤية السائدة في الوسط الطبي عن الميول المثلية وطبيعتها، لكنني اختبرت بانفتاح أن الكثير من ذلك ليس حقيقيًّا، وعند الحديث عن العلم فالصورة الكاملة ليست هي الصورة المتبناة من العوام حاليًّا، مما شجعني جدًّا للكتابة عن ذلك، فالبعض لم ينجحوا في التغيير ومنهم من رغب فيه، لكن أعدادًا غفيرة ممن قابلتهم في حياتي العملية رغبوا التغيير ونجحوا فيه“، ويؤكد على ذلك د. سانتون چونز – أستاذ علم النفس الإكلينيكي – فيقول اختصارًا: ”بالرغم من اعتماد الجمعية الأمريكية لسنين بأن الميول الجنسية غير قابلة للتغيير، فإن الدراسة التي أجريناها وشملت الأبحاث السابقة مقارنة بدراستنا تؤكد أن ذلك لا يتفق مع الأدلة“!

 

مسألة أخرى وهي أن العوامل التي سأتناولها تفصيليًا في المقالة القادمة لتفسير نشأة الميول المثلية لدى الطفل نادرًا ما توجد مجتمعة لدى فرد واحد، وإنما يجتمع عاملان أو ثلاثة لتشكيل نمط محدد من الميول المثلية، لكن العامل الأساسي بل المادة الخام التي تعمل فيها تلك العوامل، وهي شخصية شديدة الحساسية والتي يمكن وصفها بجملة ”وحدها لا تعني شيئًا، وبدونها لا يحدث شيء“ بمعنى أنه ليس كل طفل مرهف الحساسية سيطور ميولًا مثلية، وأيضًا فالعوامل التالية لا تؤثر في طفل ليست لديه هذا النمط من الشخصية، ويمكن أن تظهر تلك الحساسية في شكل انطوائية أو اعتمادية، وهي العامل الوحيد الذي يمكن القول بتوارثه، وفهم هذا العامل يفسّر لماذا لا يطور جميع الإخوة ميولًا مثلية رغم تعرضهم لنفس البيئة التربوية، وكما أننا نختلف في القدر الذي يكفينا من الطعام والشراب فالطفل مرهف الحساسية يحتاج إلى اهتمام ورعاية أعلى من بقية إخوته، كما أنه يتأثر بالبيئة المسيئة بشكل أكبر، وتلخيصًا فالإساءة تبقى إساءة لكن يختلف الأبناء في مدى حساسيتهم في استقبالها.

 

مسألة مكمّلة وهي أن النظرية الأقوى لدي لتفسير الميول المثلية هي نظرية «الانفصال الدفاعي»، وتعني أن الفرد انفصل عن قيمة الذكورة أو الأنوثة كوسيلة حماية بدائية تجاهه لأنها مثَّلت في عقله اللاواعي قيمة مُسيئة، ويعلق هنا د. وصفي فيقول: ”إذا كانت الذكورة تعني الإساءة إلى الأم، فالطفل مُرهف الحساسية، سيختار الانفصال عن تلك القيمة“، وبحسب القيمة المسيئة يُمكن تقسيم الميول إلى شقين رئيسين، ميول ناتجة عن هوّة بين الفرد وأفراد جنسه وينتج عنها ذكر أقل ذكورة أو أنثى أقل أنوثة، أو هوة بينه وبين الجنس الآخر وهنا لا مشكلة فعلية في الصورة الذاتية الجنسية لدى الفرد وإنما رسالة إساءة مرسّخة في اللاوعي تمنع من الانجذاب للجنس الآخر، وسأتكلم في العوامل عن الذكور غالبًا ويفهم تطور الميول لدى الإناث بالعكس، مالم يكن هناك ضرورة للتخصيص.

 

بالنسبة للطفل الذكر، يمر الطفل بثلاث مراحل نمو نفسي رئيسية وهي مرحلة حضانة الأم [من صفر: ٢] ثم مرحلة حضانة الأب [من ٢: ٤]، ومرحلة الاتصال بالأفراد من نفس الجنس [من ٦ إلى قبيل البلوغ] وهنا ينبغي النظر إلى خطورة مرحلة حضانة الأب أو دخول الأب إلى الصورة والتي أطلق عليها فرويد مرحلة أوديب، ويسميها د. نيكولوسي رحلة الإنجاز، وهي الخروج من الأنوثة التي ولد ونما فيها والانتقال إلى الذكورة التي يمثلها له الوالد، لابد هنا أن تكون الأبوة آمنة ومشجعة له على ترك الأم والالتصاق به، وهنا يخطو الطفل الحساس خطوات مترددة إلى المجهول وهو يتحسس هل سيقبله هذا الوالد أم لا، فإذا ما كان الطفل فنيًّا، أو لا يحب الألعاب العنيفة كالضرب والتلاحم، ففي حالة إصرار الوالد على دفعه عليها سيستقبلها الطفل على أنه مرفوض بشكله الفعلي، وكأنه يريد أن ينظر إلى والده ليقول: “آسف لأنني هكذا!”

 

وكما تقول چ هاملتون فمع كل مرة يحاول الطفل أن يعبر لوالده عن محبته له، ورغبته في الالتصاق به، يستقبل إساءات مثل: “استرجل، يا طفل ماما، يا بنوتة، لست كالرجال” وهذه الإشارات التي قد يستقبلها طفل عادي كإهانة، يستقبلها الطفل مرهف الحساسية على أنه رفض له في مجتمع الذكور، وسيعاود أكثر من مرة أن يقترب من أبيه، إلى أن تصبح الإساءة غير محتملة، وهنا سيقرر الانفصال عن الأبوة المسيئة، ويتنازل عن رحلة بناء الرجل الداخلي ويعود لحضن أمه الآمن، وكما تؤكد هاملتون فإن كثيرًا من الآباء لا يقصد الإساءة بل يحب طفله بصدق، ولكن الطفل دون سن الرشد ليس لديه حس نقدي ليفهم المجاز الذي يرمي إليه الوالد، وما إذا كانت حساسية الطفل شديدة فسيقبل ذلك كحقيقة فكلمة ”استرجل“ تعني أنني لست رجلًا على الحقيقة، ويقول د. وصفي: ”من الآمن لي كطفل افتراض صدق ونقاء بيئة التربية، ولذا فأي توجه أو فرضية تُطرح منها سأقبلها على أنها حقيقة“ وهنا يستبطن الطفل نظرة الوالد له.

 

 

وهنا قضية هامة لا يفطن لها كثير من الآباء، وهي استعمال الأب كوسيلة عقاب، والأم كمدلل، فينفر الطفل من الوالد لارتباطه عنده بالعقاب، وهنا يجب أن يتشارك الوالدان مهمة التربية، الثواب والعقاب مجتمعين، وفي مرحلة ٢-٤ سنوات لابد أن يكون علاقة الوالد بالطفل الذكر معتمدة على التربية بالتعزيز الإيجابي بمدح الصواب والمكافأة عليه، والفخر غير المبالغ فيه بالطفل بين المحيطين، لتنشأ علاقة الأمان والاتصال بينهما!

 

ما ينبغي التأكيد عليه هنا، هو أن الجنسية المثلية ليست مرضًا بالمفهوم الشائع للمرض، وإنما هي اضطراب نفسي توقف فيه نمو الطفل الداخلي نتيجة احتياجات غير مشبعة، وإساءات غير مشفيّة، وفي المقالة القادمة إن شاء الله، عرض تفصيلي لأهم العوامل التي تشترك في تطوير الميول المثلية، فابقوا قريبين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الجنس
عرض التعليقات
تحميل المزيد