قبل فترة ، قرأت في أحد الصحف الرسمية خبراً مؤسفاً: وفاة فتاة على يد شيخ كان يحاول إخراج الجن منها ، لم تكن هذه هي الحالة الوحيدة التي يلقى شخص حتفه على يد معالج بالرقية ، فقبل سنة ونيف توفيت فتاة أخرى في السعودية على يد أحد الرقاة.

 
ما يدعو للدهشة كيف لقراءة القرآن الكريم أن تتسبب بوفاة أحدهم؟ لكن حين تبحث جيداً في الموضوع تعرف أن هؤلاء “الشيوخ” لا يعالجون بالرقية الشرعية المبنية على الكتاب والسنة فقط ، بل إن معظمهم يقوم بأفعال وضرب للمرضى ، ويصف خلطات تضر المرضى ولا تمت للدين بصلة .

ماهي الرقية البدعية؟

هي كل ما أضيف إلى الرقية الشرعية بما لا يوافق منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن علاماتها: استعمال البخور، وجلد المريض أو ضربه أو خنقه ، وكتابة بعض آيات من القرآن على جسد المريض بحجة علاجه بها، وإطفاء الإضاءة، وربط أطراف المريض، وتحديد أعداد قراءة سور معينة ، لم يأت دليل صريح عليها، واستخدام أدوات وخرز كالعصا السليمانية و الخيوط. (1)

لماذا كل هذا الاهتمام ؟

من اللافت للنظر ازدياد الاهتمام بالرقية بشكل غير مسبوق: حتى أنه تم افتتاح قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية ومراكز علاجية متخصصة في مجال الرقية ، والسبب قد يكون ازدياد جهل الناس بالدين مما يدفعهم إلى بذل الجهد والمال في تحصيل هذا النوع من “العلاج”.

لكن قد يعزو البعض سبب هذا الاهتمام رجوع الناس إلى الدين ، فأقول : هل ضرب المرضى من الدين ؟ هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يخصصون أوقاتاً لعلاج الناس بالرقية ؟ وهل ترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التداوي بالطب ولجؤوا إلى الرقية الشرعية فقط ؟

تكريم أم إهانة للقرآن الكريم؟

ومن عجائب الرقية البدعية تلك القنوات التي تبث إعلانات كاذبة وبعضها جنسية وصور خادشة للحياء كل هذا مع تلاوة القرآن الكريم ، أليس في هذا إهانة للقرآن الكريم ! بل وصل بالبعض إنشاء عيادات لعلاج العمى و قصر القامة و العقم كل هذا بالرقية ؟

هل هناك من علماء السابقين أنكر هذا؟

لقد أنكر الإمام الشافعي وابن حزم وابن القيم وغيرهم على من يقوم بالرقية البدعية وحاولوا تصحيح مفهوم الرقية، إلا أن كثيراً من الدجالين يتجاهلون كلام هؤلاء العلماء.

 
فمثلاً يقول ابن حزم: ( و أما كلام الشيطان على لسان المصروع فهذا من مخاريق العزامين – يعني بهم الراقون الذين يستعملون العزائم و هي الرقى – و لا يجوز إلا في عقول ضعفاء العجائز ) وقد سرد ابن حزم ما في القرآن وصحيح الحديث عن الجن ثم قال : ( وما زاد على هذا، فخرافات من توليد العزامين والكذابين). ويقول الشافعي : (من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته ، إلا أن يكون نبيا ).

كيف تفسر شفاء البعض بهذا النوع من العلاج؟

من الطرق التي يستخدمها هؤلاء لجعل “خلطاتهم الطبيعية” فعالة في علاج الأمراض خلط أعشابهم بأدوية معروفة كالكورتزون ، فقد سمعت أن مريضاً يعاني من السكري ، انتظم تركيز السكر في الدم لديه بعد أخذه خلطة قيمتها 50 دولاراً فقام أحد المخبريين بتحليل هذه الخلطة ووجد فيها دواء جلوكوفاج المشهور لعلاج السكري ، لكن المفارقة أن سعر هذا الدواء في السوق 5 دولارات ، وسعر الخلطة 50 دولاراً ، وهذا يفسر سر تماثل بعض الحالات للشفاء على يد هؤلاء.

هل هناك تعارض بين الرقية الشرعية والعلاج الطبي ؟

لماذا يشعر الناس بالحرج أو عدم جدوى العلاج الطبي إذا كان السبب حسداً أو سحراً ؟ وهنا سأضرب مثالاً للتوضيح : إذا أصيب شخص ما بالحسد فسقط على الأرض فكسر ساقه هل يكفي قراءة الرقية الشرعية عليه أم يتوجب على المريض الذهاب للطبيب وتجبير هذا الكسر ؟ إذن لماذا حينما يصاب أحدهم بالحسد فيدخل في اكتئاب أو فصام لا يذهب إلى الطبيب و يكتفي بالرقية الشرعية ؟ أليس الاكتئاب والفصام أمراض لها أسباب عضوية كنقص أو زيادة في بعض النواقل العصبية كـ “السيروتونين” و”الدوبامين”؟

دور العلماء

كثيراً ما يوصي العلماء والدعاة بالرقية الشرعية ، لكنهم قليلاً ما يوضحون ضوابط هذه الرقية والفروق بينها وبين الرقية البدعية ، وربما هذا أحد أسباب اندفاع الناس نحو الرقية دون الالتفات إلى المخالفات الشرعية فيها ، ولهذا فإن من واجب العلماء والدعاة التصدي للرقية البدعية وكشف المخلفات الشرعية عند أهلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد