من خلف نوافذ السيارة التي يقودها جعفر، تظهر شوارع إيران بأشخاصها البسطاء، وملامحها التي تشبه الملامح العربية. تقول له ابنة أخيه الجالسة إلى جواره: «انظر.. إنها السيدة التي كانت تعطيك الورد حين تزورك في السجن». كانت تشير إلى سيدة لطيفة مبتسمة تحمل باقة من الورود الحمراء على الطريق. يدعو جعفر السيدة لتنضم إليه في سيارة الأجرة التي عرض فيها قصصًا للحياة في إيران في فيلم: (تاكسي).

أخرج جعفر بناهي فيلم (تاكسي) ومثّل فيه، وفاز عنه بجائزة (الدبّ الذهبي) في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2015. تناول في الفيلم قضايا المجتمع الإيراني من زوايا متعددة، وظهر هو في الفيلم سائقًا لسيارة أجرة، يصادف شخصيات مختلفة من الركاب في شوارع طهران، يشاركهم أحاديثهم العابرة، وآلامهم، ودموعهم، وأحلامهم، ومخاوفهم.

طرح المخرج في الفيلم قضايا حقوقية وإنسانية واجتماعية بطريقة غير مباشرة، كقضية الإعدام، وحقوق المرأة، وحرية الرأي والتعبير، والثقافات والعقائد المختلفة في المجتمع الإيراني.

سيدة الورود

شكى جعفر لسيدة الورود توهمه سماع أصوات كتلك التي كان يسمعها في السجن، تجيبه مبتسمة: «كثير من زبائني يحدث لهم ذلك»، تشرح له بعدها كيف تتأثر أعصاب السجناء في فترة احتجازهم. كانت هذه السيدة هي نسرين ستوده المحامية والناشطة الحقوقية الإيرانية، التي ظهرت في الفيلم بشخصيتها الحقيقية، كما ظهر جعفر.

قبل إنتاج الفيلم بسنوات، تعرّض كل من جعفر بناهي ونسرين ستوده للاعتقال وتقييد الحرية بسبب مواقفهما السياسية في إيران، وحصلا لذلك على جائزة سخاروف مناصفةً في 26 أكتوبر 2012. وهي جائزة يكرّم بها البرلمان الأوروبي المؤسسات والأشخاص الذين كرسوا حياتهم للدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الفكر. وقد وصف رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز نسرين وجعفر بأنهما «رجل وامرأة لم يرضخا للتخويف والترهيب، وقررا وضع مصلحة الوطن قبل مصلحتهما».

اعتُقل جعفر عام 2010 لتأييده المظاهرات ضد الحكم الإسلامي بعد تولي الرئيس أحمدي نجاد السلطة، وأفرج عنه بعد شهرين بكفالة مالية كبيرة بعد إضرابه عن الطعام احتجاجًا على اعتقاله، ليظل تحت الإقامة الجبرية المفروضة عليه لعشرين عامًا، ومنعه من إنتاج أفلام سينمائية. وقد تحايل على هذا المنع بإنتاج أفلامه بطريقة مختلفة تجعلها تبدو كتوثيق ليومياته، وتصنف في بلده أفلامًا تلفزيونية، كهذا الفيلم.

سأل جعفر نسرين في مشهد آخر إن كانت ستقدم باقة الورد التي تحملها لشخص اعتُقل أو شخص أفرج عنه كما تفعل دائمًا، فحدثته عن فتاة تضرب عن الطعام منذ 10 أيام بعد اعتقالها لأربعة أشهر بسبب حضورها مباراة رياضية للكرة الطائرة. بثقة وتفاؤل أكدت له نسرين أنها ستبذل جهدها لمساعدة هذه الفتاة.

كانت نسرين –أيضًا- قد أضربت عن الطعام في أثناء سجنها في سبتمبر 2010 احتجاجًا على حظر المكالمات الهاتفية والزيارات من أسرتها. ثم أضربت مرةً أخرى في أكتوبر 2012 احتجاجًا على القيود المفروضة على الزيارات العائلية ومنع ابنتها من السفر.

وقد اعتُقلت في سبتمبر 2010 بتهمة «الدعاية ضد النظام والعمل ضد الأمن القومي» وأُودعت سجن إيفين سيئ السمعة، حيث حُكم عليها بالسجن 11 عامًا، ثم خُفّف الحكم إلى 6 سنوات بضغط من الأمم المتحدة والحكومات والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وأفرج عنها في 2013.

تحدث سائق التاكسي وسيدة الورود عن حال الحريات وحقوق الإنسان في إيران، وختمت نسرين حديثها قبل مغادرتها السيارة بما يبدو أنه عبارة متفق عليها وغمزة لم تظهر: «لا تعرض ما قلته في فيلمك وإلا ستتعرض للمشاكل».

من يهدي نسرين الورود؟

صدر مؤخرًا حكم بالسجن 38 عامًا والجلد 148 جلدة على نسرين ستوده، بتهمة «التحريض على الفساد والبغاء»، و«ارتكاب فعل محرم بسبب ظهورها علنًا دون ارتداء الحجاب»، و«الإخلال بالنظام العام»، و«إهانة المرشد الأعلى». بعد أن ألقي القبض عليها في 13 يونيو 2018.

نسرين ستوده محامية إيرانية بارزة، ومدافعة عن حقوق الإنسان. عرفت بدفاعها عن سياسيين، ونشطاء معارضين، ونساء اعتُقلن بسبب خلعهن الحجاب، ومساجين محكوم عليهم بالإعدام في جرائم ارتكبوها وهم قصَّر.

في حديثها مع سائق التاكسي في أحد مشاهد الفيلم تقول نسرين: «ليعلموا أننا نعرف أننا مراقبون، خططهم واضحة، يخلقون لك سجلًا سياسيًا لتصبح هدفًا للاستخبارات، ثم يلفقون لك فضيحة جنسية، فيجعلون حياتك سجنًا كبيرًا حتى لو خرجت من السجن الصغير، يجعلون أقرب أصدقائك ألدّ أعدائك، ويضطرّونك إلى الهروب خارج البلاد، أو طلب العودة بشروط يفرضونها عليك».

هل تنقذنا الأفلام؟

كمخرج سينمائي تعرض لمشاكل مع السلطات بسبب عمله، تطرق بناهي إلى أثر الأفلام في حياة الناس، وصنع ثقافتهم، والتعبير عن مشاكلهم، والقيود التي تفرضها بعض الدول على حرية التعبير. يظهر هذا في أحاديثه مع ابنة أخيه التي تطلب مساعدته في إنتاج فيلم مدرسي، تسرد على عمها شروط الفيلم التي تفرضها المدرسة، كضرورة الالتزام بالحجاب، وتجنب الاختلاط، وعدم تطرق الفيلم لقضايا سياسية أو اقتصادية.

ظهرت في مشاهد متفرقة الأفلام الرخيصة التي تباع في الشارع، والأفلام التي يتخذ البعض تهريبَها مهنة مربحة في دولة تفرض رقابة على المنتجات الثقافية الغربية.

يقدّم جعفر في أحد مشاهد الفيلم نصيحة لصانع أفلام شاب بأن يبحث عن طريقه في مكان آخر، ويقابل في مشهد آخر صديقًا يطلعه على صور لتعذيبه، وخوفه من التحدث عن ذلك، فيطلب من بناهي أن يصنع فيلمًا عن هذه القصة، ما يحمله مسؤولية عرض الحقيقة. تقول له ابنة أخيه نقلًا عن معلمتها: «يجب أن نقول الحقيقة في الفيلم الذي سنصنعه، إلا إن كانت الحقيقة بشعة، عندها يجب أن نخفيها».

في إشارة رمزية تضع نسرين وردة حمراء بجانب الكاميرا التي سجلت حوارها مع جعفر وتقول بابتسامتها الدافئة: «هذه الوردة لجمهور السينما الذي يمكنك أن تثق به دائمًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد