عن الطرق المحددة التي نسير فيها طواعيةً أو كُرهًا في كل يوم نتنفس فيه هواء هذه الدنيا، حيث تجري الأشياء على وتيرة واحدة لا تتغير، عن الشخوص بأنواعها التي تعترضنا -نفسها بذاتها- أثناء المسير، عن تلك الحياة.

مُنهَك القوى لغويًا هو من أنهكه العمل المتواصل، حين تُفرض علينا الدنيا فرضًا، فنجدها تدور بنا في حلقة مفرغة من الأحداث والتفاصيل المتواصلة المعتادة التي لم نرغب فيها، لا يهم ضخامة تلك التفاصيل أو صعوبة إنجازها، بل هي طريق نُجر إليه دفعًا كل ليلة نؤدي المكتوب على لوحاته بثقل شديد، أو حتى إذا كنا من ذوي الرأي والوعي ولم نسمح لأحد بفرض نمط لحياتنا أو عادة يظن في مخيلته أنها المنجية، وفرضنا النمط خاص بنا وصرنا نتبعه كما هو دون تجديد لطاقة الروح اللازمة لتكملة المسير، في كلتا الحالتين سنشعر كم هي رتيبة تلك الحياة وكم هو مُنهِك ذاك الروتين إذا توقفنا عن المقاومة.

ثم نصادف تجارب إنسانية لم تعرف هذا المعنى بل لا تفهمه حتى، معنى أن يكون للفرد نمط يألفه المجتمع، يتابع حياته ويعبر عن معتقداته ويتخذ قراراته تبعًا لما اتفق الجميع عليه، نجدها تحارب بكل ما في قواها من مقدرة هذا المعتاد والمألوف أيا كان الدافع وراء ذلك، لكنها ترفضه وتريد خوض معاركها الخاصة بأسلوبها الخاص.

أتذكر تجربة فتاة حاولت البحث عن شغفها بعيدًا عن الطرق المرسومة سلفًا لمبدعي الفكر والخطوة، رغبت في الشعور بطعم النجاح الذي لم يحاول أحد اكتشاف مدى عذوبته سواها، لم يؤمن بها الكثير كما توقعت أن يفعلوا بل ثبطوا عزيمتها، فتاة غريبة بفكر مختل في نظرهم، أن تصير مختلفًا وتجعل من هذا الاختلاف منهجًا تنطلق به ذاك الجنون بعينه، آمنت أن النجاح الذي تسعى إليه يكمن في الطريق ذاته وفي القوة التي تزداد بها مع كل فوز بمعركة صغيرة وإنجاز تحققه يشبعها ويكفيها.

بينما تركض الحياة بداخلنا يدفعنا التعب الشديد وغير المفهوم أحيانًا للتوقف فجأة محاولة لتقدير وتقييم روتين الحياة الذي نعيشه، الروتين الذي يستهلك أيامنا، نبحث عن الحياة التي تمثلنا نحن لا حياة من يحيط بنا ويؤثر فينا، ليست معركتنا الصواب والخطأ فقط هي كل ما نتأمل فيه، بل ما نشعر به ونؤديه، فإذا نظرنا بعين الناقد لتجربة تلك الفتاة وما مرت به لا بد أن يكون في إطار من الفهم والإدراك لظروف عيشها ومشاعرها واستقبالها لما يحدث حولها ودرجة تأثرها به.

التأثر بأنماط حياة البشر المختلفة -والتي قد تبهرنا في كثير من تفاصيلها المشعة المضيئة وإن كانت كذلك على جانب كبير من الصواب- لا يشفع اقتباسها بشكل حرفي كما هي دون فحص وتدقيق ومناسبة ذلك لنا، خواء الروح وفقدان بوصلة هوية واضحة لأنفسنا وشخصياتنا وافتقادنا لأدوار أساسية قد يكون الدافع الحقيقي لمثل هذا التأثر.

«إن عمود هذا الأمر يكمن في أن تصنع نمط حياتك، وأن تكون نسيجًا وحدك، وأن تحسن ما استطعت فيحسن الله إليك». (1)

هذا العصر المرعب الذي نعيشه على اتساعه وسهولة تداول تفاصيل البشر خلاله وتنوعها، إلا إنه يجعلنا آلات بشكل معقد يفتقد للنبوغ والتفرد بشكل حقيقي، نُساق بداخله إلى ما لا يشبهنا بخبث شديد، ينمي بداخلنا الوهم الناعم بالسيطرة على كل قرار واختيار ورأي، وما نحن بذلك حتى يتفاقم التعب من طول الادعاء فتصبح مُنهَك القوى حقًا.

كلما تقدم العمر بنا ازددنا رغبة في تكبير الصورة والتعمق داخل تفاصيلها الدقيقة التي تبدأ في الوضوح، جودة الحياة والنجاح رهن مقاومة اقتباس طرق تحقيقه غير الملائمة لظروفنا التي ولا بد أنها ستنعكس يومًا على صفاء أرواحنا فنصبح يتامى الحياة.

(1) أحمد سالم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد