مع انطلاقة الحركة الاحتجاجية السلمية في تونس أواخر عام 2010، سيطرت أخبار الثورة التونسية على الوسائل الإعلامية في سوريا، كانت مشاهد التجمعات والمظاهرات التي توحد هذا الكم الهائل من البشر تُسعد السوريين، وكنتُ أعتقد أن الشعب التونسي قد ثار من أجل البوعزيزي فقط، لا علينا، المهم أنني لم يكن لدي الوعي السياسي الكافي لأقوم بتحليل الأمر أو متابعته تفصيليًا كما أقوم في معظم أوقاتي في الوقت الحالي.

أتذكر، كنت آنذاك لا أزال طالبًا في الثانوية، وكنت من الطلاب البارزين، وأكثرهم احتجاجًا على أي تعامل غير لبق من قبل الإدارة أو المدرّسين، لحماية نفسي وأصدقائي من أي خطر يهدد حياتنا التعليمية، وغالبًا ما أكون في واجهة أي مشكلة وأعترف بها من دون خوف أو تردد، كنت دائمًا أظن أن خلفي ثلّة من الطلاب الرائعين لن يسكتوا عن أيّ ردة فعل مجحفة بحقي من قبل الإدارة.

بالطبع لم نكن نمتلك الوعي الكافي في تلك الفترة من العمر لوضع التجربة التونسية بين أيدينا والمطالبة بحقوق شعب كامل، لأننا ببساطة لا نعرف سوى أحوالنا اليومية نحن الطلاب مراهقين، ولسنا مهتمين بالشؤون السياسية، ولا بالشأن العام، وأبرز طموحنا هي شهادة التخرج من هذه الثانوية، والبحث عن طريق لإكمال تعليمنا الجامعي أو البحث عن عمل لبناء مستقبل بسيط لا يتعدى أن نجد وظيفة في أحدى الشركات المحلية وفي المنطقة التي نسكنها.

وفي أواخر عام 2010، ببعض من العفوية التي لم نكن نحسب حسابًا لعواقبها، متأثرين ببعض المشاهدات التلفزيونية للثورة التونسية، شجعتنا هذه الأخبار لنقوم بمظاهرة طلابية صغيرة جدًا للمطالبة بحقوقنا من قِبل مدرّس كان يدرّسنا مادتين تعليميتين أساسيتين في الاختصاص الذي ندرسه، لنعبّر عن مدى استياءنا منه، ومن تصرفاته التمييزية بين الطلاب، تشجعنا على فعل هذه الحركة عقب شجار دار بين المدرّس وبين أحد الأصدقاء في غرفة الصف، فقمت وبعض الأصدقاء بمظاهرة صغيرة لا يتعدى المشاركون فيها 15 طالبًا، بهتافات بسيطة نقصد فيها وضع حدٍ للمدرّس على وجه الخصوص، ولم نعلم أن هذه المظاهرة الصغيرة جدًا قد تسبب التوتر للإدارة، وبعد حوالي ربع ساعة رأينا ناظر المدرسة ابراهيم قادم لمكان تجمعِنا، ليتساءل عن السبب الذي يجمعنا، وعن الهتافات التي نتفوه بها، فوعد بحل المشكلة مع المدرّس وإيصال مطلبنا للإدارة بشرط عدم خروجنا مرة أخرى لأن الأمر خطير للغاية.

ذهبنا لغرفة الصف، ونحن متأكدين أنه سيتم استدعاؤنا من قبل إدارة المدرسة ومعاقبتنا على هذا الفعل، مرت ساعتين تقريبًا، جاء المدير إلى غرفة الصف، وخيم الصمت والخوف على أوجه الطلبة الذين شاركوا في هذه المسرحية، ليدور بين المقاعد ويلتفت للطلاب الذين ساهموا بخلق فكرة تحرك احتجاجي ضد المدرّس، بنظرات لا تُفسر، واختار بعض منا ونزلنا إلى غرفته، لنجد بعض المدرّسين والمرشد النفسي الذي غالبًا ما يسخر منا فهو يكون أمام إدارة المدرسة حكيمًا ومن أجمل وأروع المسؤولين عن الدعم النفسي، وحين نلتقي به يتحدث بنبره غاضبة أو ساخرة من تصرفاتنا أو مواقفنا ومشاكلنا في المدرسة، المهم، أننا تلقينا جلسة توبيخ من العيار الرفيع، وأخبرنا بطريقة التهديد “أن قوات الأمن جاءت إلى إدارة المدرسة”، بحكم أن المدرسة تجاور منزل أحد الضباط المسؤولين، و”طلبت قوات الأمن تسليم الطلبة الذين خرجوا بتجمع خلف قسم العملي في باحة المدرسة”، وأنهم قد ظنوا أننا تجمعنا من أجل هدف سياسي كون الشارع السوري كان يعيش حالة ترقب بعد الثورة التونسية التي أثرت بعد أشهر قليلة بالشعب السوري وشجعته على المطالبة والقيام بثورة ضد نظام الحكم، وأن الإدارة قالت: هؤلاء طلاب يلعبون ولم يكن يقصدون الإزعاج أو تنظيم أي تحرّك، ونتوعد بعدم تكرار هذا الفعل من الطلاب، وفي الحقيقة أنه لم يأتي أحد إلى المدرسة إطلاقًا، ولكنه كان شكل من أشكال التهديد الغير مباشر لنا، ونحن طبعًا لم نقتنع بتلك الحكاية آنذاك، ورحنا نخبر أصدقاؤنا أن حركة أخرى مثل هذه ستكون ورقة ضاغطة على الإدارة في المدرسة لحل مشاكلهم.

كان هذا التحرك البسيط جدًا قد يودي بحياتنا بشكل فعلي لو تصرف المدير تصرفه الرسمي، على كل حال، لم تحل المشكلة مع المدرس، وكانت وعودهم كاذبة، لا بل كانت تزداد تصرفاته التمييزية والمسيئة لنا أكثر من سابق تصرفاته، وظلّت الأعين موجه نحونا، نحن المجموعة التي تلقت تهديدها من الإدارة، وسط مراقبة شديدة من المدرسين ومسؤولي المدرسة في القسمين العملي والنظري، إلى أن اندلعت الثورة في مصر وتلتها ليبيا ف اليمن لتشارك سوريا بحراكها السلمي في مدينة درعا، فأصبحت الأمور آنذاك أسهل للتخطيط بالمشاركة في الحراك السلمي الحقيقي بمطالب شعبية سورية.

كانت مدرستنا الثانوية الصناعية من بين المدارس التي شاركت في تنظيم الحراك السلمي في درعا؛ لأنها تحتوي على طلاب من كل قطر أغنية، من جميع المناطق في درعا، أذكر بأحد الأيام أننا تواصلنا مع الطلاب في مدرسة الثورة ومدرسة الفالوجي واتصلنا بأقاربنا في مدرسة الغربية ومدرسة الشرقية للبنات، ونظمنا تحركًا كبيرًا، أكاد أجزم أنها من أكبر المظاهرات الطلابية التي خرجت في مدينة درعا.

في حقيقة لا أتذكر الكثير عن طفولتي في سوريا، خصوصًا في أول فترة من الثورة السورية، فاتصلت ببعض الأصدقاء الذين كانوا في ذاك الحدث، أحمد، علاء، محمد، وغيرهم من الذين فضلوا عدم ذكر اسمهم، ليؤكدوا لي تفاصيل الرواية التي كتبتها، كانت بدايات التحرك السلمي من أجمل اللحظات التي جمعت السوريين تحت شعار واحد، ولكن سرعان ما تحولت للحظات قاسية جدًا حين بدأ النظام السوري بحملات الاعتقال العشوائية، وكانت قواته تقمع المظاهرات بالرصاص، خسرنا الكثير من الأصدقاء والزملاء والأقارب، خسرنا الكثير من أجل الحرية، ولا يزال الشعب السوري يتقلص في معتقلات النظام، ويتقلص من طائرات روسيا وإيران، وميليشيات حزب الله، وحتى من بعض الفصائل المعارضة التي ادعت انتمائها للثورة، لعل أهداف الثورة قد غابت عنهم، وقد نسوا أن ثورتنا ثورة أخلاق، فما مرر به الشعب السوري قد مسح كل ما نملك في ذاكرتنا، وأخشى أن يُنسى التاريخ ما لم يُكتب ويُوثق بشكل دقيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد