رأينا في مقالنا السابق”تنيس جزيرة الثياب الغارقة” الأهمية الكبيرة لتلك الجزيرة على المستوى الاقتصادي لمصر، ولشهرتها التجارية الواسعة في الآفاق المحيطة إقليميًا ودوليًا آنذاك، وطبقًا للجولات العديدة من الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، ولكون الجزيرة كانت ثغرًا يذب عن مصر عادية المعتدين على البحر المتوسط؛ فقد أدت كل هذه العوامل مجتمعة إلى تعرضها للهجوم من القوى الأوروبية المختلفة، وعلى فترات زمنية متفاوتة، كانت كلها سببًا رئيسًا من أسباب هجران تنيس وخرابها في نهاية المطاف!

هجوم مبكّر!

تخبرنا المصادر الإسلامية أن أول هجوم تعرضت له تنّيس كان في أثناء إمارة بشر بن صفوان الكلبيّ على مصر من قِبل يزيد بن عبد الملك في عصر الدولة الأموي في شهر رمضان سنة 101هـ/720م، فنزل الروم تنيس، فقتل مزاحم بن مسلمة المراديّ أميرها في جمع من الموالي، وفيهم يقول الشاعر:

ألم تربع فيخبرك الرجال … بما لاقى بتِنِّيس الموالي

وقد أشار الذهبي إلى أن كاتب الصحابي الجليل عقبة بن عامر الجُهني؛ وهو دخين بن عامر الحجري قد قُتل في تلك الهجمة الرومية على تنّيس مدافعًا عنها.

وفي عصر الخليفة العباسي المتوكل على الله سنة 238هـ هُوجمت الجزيرة مرة أخرى، ولم يكن ثمة استحكامات دفاعية تذود عنها؛ فقد “سارت الروم إلى أشتوم تنيس، وكان عليه سور وبابان من حديد قد عمله المعتصم، فنهبوا ما فيه من سلاح، وأخذوا البابين، ورجعوا ولم يعرض لهم أحد” كما يقول ابن الأثير في تاريخه. 

الخطر الصليبي على تنِّيس

وظلَّت الجزيرة بعد ذلك تتعرَّض إلى هجوم خاطف على فترات متفاوتة، على أن الهجوم لوحظ اشتداده أثناء فترة الحملات الصليبية على بلاد الشام في الفترة ما بين (492 – 622هـ/1099- 1225م)، فبعد بضعة سنوات على استقرار الممالك الصليبية في الشام وفلسطين، سار ملك مملكة بيت المقدس بلدوين إلى مصر قاصدًا الهجوم عليها، وكان من جملة أهدافه الاستيلاء على جزيرة تنّيس غير أنه أصابه جرح قديم قُبيل تلك الجزيرة في العام 512هـ، الأمر الذي اضطره إلى العودة إلى القدس ليقلى حتفه فيها.

على أن بداية الهجمات الكبرى على الجزيرة كانت في عصر الخليفة الفاطمي الفائز بأمر الله سنة 549هـ حيث وصلت 60 سفينة صليبية قادمة من صقلية إلى دمياط فعاثوا فيها فسادًا وقتلاً وسبيًا، ثم اتجهوا إلى تنّيس وأنزلوا بأهلها أشد الإيذاء، وقد دخلت هذه السفن إلى المدينة على حين غفلة من أهلها الذين لم يكن قد وصل إليهم أنباء سقوط حامية دمياط واستسلام أهلها، وقد أشار عدد من المؤرخين إلى كثرة السبايا من هذه الجزيرة، وقد بيعوا رقيقًا وكل ما نُهب في بلاد الشام، وعاد الأسطول الصليبي محملاً بالذهب والفضة والثياب التنِّيسية الغالية والقيّمة إلى الشام وصقلية بهذه الغنائم الوفيرة.

وكانت هجمات الصليبيين والنورمان أصحاب جزيرة صقلية على تنّيس في تلك الفترة شديدة الخطورة، للدرجة التي عزم فيها الوزير الفاطمي الشهير طلائع بن رزيك على “عَلَى موادعة الفرنج بمالٍ يُحمل إِلَيْهِ من الخزانة، فأوكس ذلك الأمراء، وعزموا على عزله” كما ذكر الذهبي في تاريخه.

كان المسوّغ الذي جعل نور الدين محمود يُرسل حملاته على مصر بقيادة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي ذلك الصراع الداخلي الحاصل بين الوزيرين شاور وضرغام، فقد شاور بالزنكيين واستعان ضرغام بالصليبيين، وقد تمكن الصليبيون من دخول مصر بالفعل، وكانت الحملة الزنكية الثالثة على مصر في العام 564هـ بقيادة شيركوه قد فوجئت بتمركز الصليبيين في جزيرة تنّيس واحتلالها، وقد كان هذا الاحتلال سببًا في إعاقة حركة التطهير الزنكية.

على أن مصر كانت قد أصبحت تحت السيادة الأيوبية منذ العام 567هـ حين أنهى صلاح الدين الأيوبي حكم الفاطميين، ودعا للخلفاء العباسيين في القاهرة، وعلى الرغم من القوة والحنكة العسكرية التي تمتع بها صلاح الدين؛ فان الثغور الإسلامية في مصر والشام لم تنقطع عنها الهجمات الصليبية، وحسبنا أن صلاح الدين كان منشغلاً بذيول الفاطميين، وبتوحيد القطرين الرئيسيين في مواجهة الخطر الصليبي ونعني مصر والشام.

لقد ظلّت تنّيس على نشاطها ودأبها التجاري والاقتصادي، وعلى عراقتها في المنسوجات والملابس المخصصة لعلية القوم، والنخبة الحاكمة في البلاد، فقد كانت عمامة الوزير في ذلك العصر الأيوبي بيضاء مطرزة بذهب لا تُصنع إلا في تنّيس، في دلالة على استمرارية النشاط الاقتصادي والريادي لهذه الجزيرة في تلك اللحظات المفصلية من تاريخ الصدام الإسلامي الصليبي.

لكن بحلول العام 571هــ “وصل إلى تنيس من شواني (مراكب حربية) صقلية نحو أربعين مركبًا، فحصروها يومين، وأقلعوا ثم وصل إليها من صقلية أيضا في سنة ثلاث وسبعين نحو أربعين مركبًا فقاتلوا أهل تنِّيس حتى ملكوها. وكان محمد بن إسحاق صاحب الأسطول قد حيل بينه وبين مراكبه، فتحيز في طائفة من المسلمين إلى مصلى تنيس، فلما اجنهم الليل، هجم بمن معه البلد على الفرنج، وهم في غفلة، فأخذ منهم مائة وعشرين، فقطع رؤوسهم، فأصبح الفرنج إلى المصلى وقاتلوا من بها من المسلمين، فقتل من المسلمين نحو السبعين، وسار مَن بقي منهم إلى دمياط، فمال الفرنج على تنيس وألقوا فيها النار، فأحرقوها، وساروا وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى إلى جهة الإسكندرية بعد ما أقاموا بتنيس، أربعة أيام”.

لقد كان هجوم الصليبيين والنورمان على تنيس في هذين العامين 571هـ و 573هـ في ذورة الصراع بين صلاح الدين والصليبيين، وهذه الفاجعة التي حلّت بمقتل 70 من أهل تنيس فضلاً عن الأسرى والغنائم والمنهوبات التي استولوا عليها يعود إلى أسباب جوهرية، فقد أشار المؤرخ الإيطالي أماري إلى أن هذه الغارات قامت بعد وفاة روجر الثاني وغياب الحكمة السياسية من القصر النورماني إلى الأبد، وهو أمر ارتبط بزيادة الكراهية للمسلمين داخل جزيرة صقلية، وانسحب على المسلمين خارجها، وخاصة المعادين لهم، وقد يكون هذا مرجعه إلى طول بقاء المسلمين في صقلية وما تركه من ألم في نفوس سكانها من المسيحيين لدرجة جعلتهم عازمين على الوثوب على القوى الإسلامية ومضايقتها أيًا ما كانت هذه القوى وأنّى كانت، والدليل على ذلك أن وليام الأول هدَّد مسلمي صقلية بأنه سينزل بهم أشدّ الإيذاء إذا ما تعرّض رجاله في غاراته الخارجية للقتل، وهذا ما دوَّنه مؤرّخه فالكاندوس.

ولذلك كان من الطبيعي لهذه النفسيات غير المتسامحة للنورمان، وتوثّبهم الطامع، وعدائهم الديني أن يكون له أثره المباشر على الثغور الإسلامية في مصر وشمال أفريقيا، الأمر الذي أثار كثيرًا من الخشية والخوف والاستياء لهذه الهجمات المتكررة على السكان الآمنين.

وعلى الرغم من أن آخر محاولة هجومية نورمانية صقلية على جزيرة تنِّيس كانت في العام 573هـ، فإن القوى الصليبية المتمركزة في فلسطين قد باغتت الجزيرة بالهجوم مرة أخرى بعد ثلاث سنوات فقط في سنة 576هـ باستخدام عشر سفن حربية، وكان حاكم مصر آنذاك الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو صلاح الدين نائبًا عنه، لكن المدافعين عن تنّيس هذه المرة تمكنوا من مقاومة هذه الحملة، والقبض على أميرها، “وقطعوا يديه ورجليه وصلبوه”.

خراب تنّيس بأيدي المسلمين

هذا الهجوم المتكرر في غضون خمس سنوات فقط اضطر معه صلاح الدين الأيوبي إلى تقوية مراكز الاستحكامات الدفاعية في الجزيرة؛ ففي العام التالي 577هـ “انتدب السلطان لعمارة قلعة تنيس، وتجديد الآلات بها عندما اشتدّ خوف أهل تنيس من الإقامة بها، فقدّر لعمارة سُورها القديم على أساساته الباقية مبلغ ثلاثة آلاف دينار”.

لكن الصراع الأيوبي الصليبي كان على أشده، وكان انتصار حطين وجلاء الصليبيين عن بيت المقدس سنة 583هـ دافعًا للصليبيين للانتقام والهجوم الخاطف على الثغور الإسلامية في الشام ومصر من جديد، لذا اضطر السلطان الأيوبي العادل في سنة 588هـ “بإخلاء تنيس، ونقل أهلها إلى دمياط، فأُخليت في صفر من الأطفال والنساء والأثقال، ولم يبقَ بها سوى المقاتلة في قلعتها”.

تولى السلطان الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب السلطنة بعد وفاة والده في سنة 615هـ، وقد دخل الكامل في صراع على السيادة والسلطنة مع أخويه الآخرين الأشرف موسى والمعظم عيسى في بلاد الشام، وكان هؤلاء الثلاثة أثناء صراعهم لا يتورّعون عن طلب المساعدة من الصليبيين القريبين في الشام، في المقابل سعى الكامل إلى التحالف مع فردريك الألماني إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة، وهذا الأخير طلب من الكامل استرداد بيت المقدس على شروط صورية بينهما كي تتحسّن صورته في العالم الغربي، خاصة أن البابا كان قد نزع منه الاعتراف بالسلطنة مما جعله في مأزق سياسي خطير في العالم الغربي أراد من خلاله تحسين صورته بإعادة بيت المقدس.

وافق الكامل على طلب فردريك، لكنه خوفًا من قدومه على رأس حملة صليبية جديدة قد تُباغت الثغور الإسلامية الأشد حيوية وتأثيرًا خاصة مصر التي كان يتمركز فيها الكامل؛ فقد أمر في شهر شوال سنة 624هـ/سبتمبر 1227م “بتخريب مَدِينَة تنيس فخربت أَرْكَانهَا الحصينة، وعمائرها المكينة، وَلم يكن بديار مصر أحسن مِنْهَا، واستمرت من حِينَئِذٍ خراباً” كما يذكر المقريزي، ولعل الكامل خاف أن تتعرض دمياط وتنيس لحملة مشابهة للحملة الصليبية الخامسة على دمياط القريبة من تنيس وكانت أشد الحملات خطرًا، والحق أن دمياط والمناطق القريبة منها كتنيس ظلت في هدفًا لا غنى عنه للصليبيين حتى إن الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع بعد ذلك ببضع وعشرين سنة قد تمكنت من احتلال دمياط لمدة عام كامل، وعلى كلّ فمنذ سنة 624هـ حاق الخراب بجزيرة الثياب الراقية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام، دار الكتاب العربي – بيروت، 1997م.
2. ابن القلانسي: تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان للطباعة – دمشق، 1983م.
3. أبو شامة: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تخقيق إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1997م.
4. الذهبي: تاريخ الإسلام، تحقيق بشّار عواد، دار الغرب الإسلامي – بيروت، 2003م.
5. المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة وسعيد عبد الفتاح عاشور – دار الكتب المصرية، القاهرة.
6. المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان – لندن، 2013م.
7. اليافعي: مرآة الجناة وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، دار الكتاب الإسلامي – القاهرة، 1993م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد