خاض الغرب عمومًا، وأوروبا على وجه الخصوص حروبًا وثورات ضارية ضد جبروت الكنسية وسيطرتها، فرفع راية التنوير وحرية الفكر والاعتقاد وسطر تاريخًا فصل بين الاستبداد، والديمقراطية الحديثة التي حررت العقل الغربي في كل المجالات وأصبح رائدًا للنهضة العلمية، والتطور والتغيير الإيجابي فازدهر البحث العلمي، وتحرر بدوره من قيود الماضي وقدسية تعاليم الكهنوت حتى تطور و بلغ طفرة لم يشهدها عصر آخر غير عصرنا الحالي ما سمي بعصر العولمة. بينما نهج العرب نهجًا مخالفًا بعد تحررهم من قبضة الاستعمار التقليدي.

لقد فقه الغرب أن المجد والحضارة، والتطور يبنى بالعلم وتبجيل الكفاءات وتشجيع الإبداع دون التوقف عند جنسية معينة أو ماض ببساطة تمكنوا من تجسيد معادلة غابت كثيرا لدى العرب وهي تقديم الفرد الكفء في المكان الذي يستحقه، فألغت أوروبا الحدود، وحررت العقول، وتوحدت، في المقابل تشرذم العرب وضاعوا، وتناحروا فيما بينهم وتخلفوا عن ركب الأمم الغربية، ولم يشفع لهم انتماؤهم إلى الدين الإسلامي، الذي ركزت الكثير من تعاليمه على العلم، والعمل والتنظيم والشورى ونبذ الفساد والظلم بل أصبحت الشعوب العربية تبكي على أطلال وأمجاد الماضي التي صنعها الرعيل الأول من حضارة المسلمين، والمؤسف أكثر أننا اليوم بوصفنا عربًا ندعي التحرر من الاستعمار ولكن الحقيقة عكس ما نفقه  ونورثه للأجيال القادمة، فكم هي مقدسة أعيادنا الوطنية التي نحتفي بها كل عام ونجتهد في زرع قيم المواطنة لكننا عجزنا أن نزرع قيم التحرر من التبعية الغربية فكريًا وعمليًا وسياسيًا واقتصاديًا وقياديًا.

إن أغلب الدول العربية ما زالت لليوم تحكمها ثلة تتصارع على السلطة تاركة شعوبها تلهث وراء لقمة العيش، فهجرت الإبداع، ولم تعد قادرة على التغيير الإيجابي الذي ينطلق من ذات كل فرد بل الكثير فقد الإيمان بسنة من سنن الخالق في كونه «إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

لهذا يعد التحدث عن التطور والتغيير لدى العرب فكرة وهمية طغت على عقول العرب منذ أمد طويل وظلت منحصرة في بوتقة واحدة لا تتغير هي أن اقتناء أحدث الوسائل التكنولوجية الغربية جوهر حقيقة التقدم والتمدن الحضاري وتبقى الإشكالية التي تفرض نفسها كلما حاولنا التعمق في أسباب هذا الطرح البعيد عن آمال الشعوب العربية هي:

هل أزمتنا تنحصر في غياب حرية الفكر العربي؟ أم أنها أزمة تبعية غربية؟

ترتبط حرية الفكر العربي بمدى تحرره من قيود المجتمع السلبية ومن كل الأغلال المفروضة عليه هذا من جهة، ومن جهة أخرى بمدى ترشيد إدارة الموارد المالية والبشرية وإعادة بعث سياسات واستراتيجيات جديدة من شأنها دفع الفكر صوب الإبداع والتغيير الإيجابي في كل المجالات والقطاعات، وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وهي أبرز ما تفتقده الدول العربية بسبب غياب الديمقراطية التشاركية.

أضحت الشعوب العربية منها ماهو مغلوب على أمرها وأخرى أصابها اليأس وأخرى أنهكتها العرقية، والعصبية التي مدت جسرا للجاهلية الأولى ومنحت صكوكا للتدخل الأجنبي من قبل الدول الكبرى، التي لطالما سال لعابها أمام ما حبى به الله المنطقة العربية من موارد طبيعية جعلتها محط التنافس والتصارع على امتلاكها بكل الطرق مما زاد من وضع العرب البئيس.

يفخر البعض عندنا اليوم ويضرب الأمثال في تطور العرب، فيتشدق في إحصاء ناطحات السحاب وصحارى تحولت إلى مدن عالمية وسباق نحو تحسين مختلف الخدمات الاجتماعية، ونسي هؤلاء أن النمو والتطور لا يعبر عنهما بهياكل تهندسها وتنفذها أيادي وعقول الغرب بأموال ريع النفط، وإنما التطور هو عقول تنتج فتصدر وتستثمر وتبدع وتقود وتستشرف للمستقبل البعيد.

فعن أي تغيير حي نتحدث عنه في دولنا العربية، وقد أجهضت أنظمتها الشمولية وعجز شعوبها عن احترام ثقافة الاختلاف واحترام حق الآخر في الحياة، والحرية الفكرية كل مواليد التغيير حتى إشعار آخر. والأمثلة كثيرة فأين عراق ويمن وليبيا وسوريا وسودان الأمس؟ أين مصر الحضارة ووحدة العرب؟

كفانا بكاء على أمجاد خير أمة أخرجت للناس، فقد حان زمن الانبعاث لأمة جديدة تبني مجدها، وتستفيد من دروس الماضي وتسير نحو الرقي  والانعتاق من ربقة التخلف الفكري والعلمي الذي خيم على العرب وناء بكلله على صدور قادتهم لقرون طويلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد