في ظل الاتجاهات الموسيقية الجديدة التي شقت طريقها إلى عالم أم كلثوم منذ مطلع الستينات ظهر خلاف بين رياض السنباطي وبين أم كلثوم منذ أوائل عام 1960 حتى ربيع 1961 على أبعد تقدير، وقد عزى السنباطي ذلك الخلاف إلى تدقيقه في الكلمات المغناة التي تختارها أم كلثوم وأكد أنه رفض أكثر من مرة كلمات لحنها غيره، وأغلب الظن أن السنباطي لم يكن يرضى عن نكهة الحداثة التي ظهرت في أسلوب الغنائي الكلثومي والتي اعتمدها كمنهجية تلحين بليغ حمدي ومن بعده محمد عبد الوهاب، فمن يعرف رياضًا يدرك أن الإيقاعات المبهجة التي ظهرت في أغاني أم كلثوم في الستينات لا تتوافق مع روحه الشرقية وميله إلى البناء الموسيقي القائم على التأسيس النغمي وليس المعتمد على المغامرة أو الفطرة غير الناضجة، ولذلك كانت الحصيلة «الكلثوسنباطية» خلال الستينات أقل بكثر مما أنتجه الإثنان معًا في الخمسينات، وإن برز من تلك الحصيلة عدد من الألحان الكبرى كان أهمها «حيرت قلبي معاك» و «أراك عصي الدمع» إلى أن أعطت أم كلثوم إشارة البدء للسنباطي في تلحين قصيدة «الأطلال» تلك القصيدة التي ظلت حبيسة الأدراج منذ مطلع الخمسينات بعدما فشل شاعرها «إبراهيم ناجي» في إقناع أم كلثوم بغنائها، وتعد الأطلال مثالًا لافتا للنظر إلى تدخل أم كلثوم في النص الشعري، وكعهدها أطلقت ليدها العنان فراحت تنتقي مقاطع من القصيدة واستبدلت بعض الكلمات ثم أضافت للقصيدة المغناة عدة أبيات من قصيدة أخرى لناجي أيضًا اسمها «الوداع»[1] لتصبح تلك الأبيات المنقولة من قصيدة الوداع هي عصب القصيدة المغناة وأهم أبيات فيها، ولتتكون الصورة النهائية للقصيدة من 32 بيتًا فقط من أصل 134 بيتا، ورغم ذلك التوليف الشعري إلى أن جاءت وكأنها ملحمة شعرية متماسكة تجسد قصة حب عاثر وربما كانت تلك إحدى خصائص أشعار ناجي، ومن ناحية أخرى أدرك رياض السنباطي أنه أمام اختبار صعب فمنذ عام 1960 حتى 1966 سيطر عبد الوهاب وبليغ على الجماهير الكلثومية من خلال إيقاعات راقصة وطقايق خفيفة بعيدة كل البعد عن موسيقى السنباطي ذات الأبعاد الروحية، لذا اهتم السنباطي هذه المرة بتكوين قاعدة موسيقية كبرى تسطيع حمل ذلك البناء القصائدي الضخم الذي وضعه ناجي، فكان رأي السنباطي دائمًا أن «الموسيقى الأوروبية عالمية البناء، لأنها بناء فني ذهني»!

تكوين الأطلال ومعلب لراحة الأرواح

عمد السنباطي إلى مقام «راحة الأرواح» وهو صورة مطابقة لمقام الهزام لكنه يرتكز على درجة العراق بدلًا من السيكا، فأسس مقدمة موسيقية ذات مقاطع متباينة المقامات لا يقتصر دورها على التسليم لمقام القصيدة فقط بل تساعد على تأسيس استطرادات بعيدة، كما أنه صاغها على أسلوب «الإدليب» وهو واحد من أهم مميزات الموسيقى العربية، حيث يتم العزف أو الغناء بدون مقياس زمني أو دليل وقتي واضح، فجاءت المقدمة كشبكة موسيقية معقدة لا يمكن تفتيت أجزائها وشطر جملها الموسيقية، ويبدأ الغناء وتستمر أم كلثوم في التوغل داخل مقام راحة الأرواح ثم تنحرف في رفق في اتجاه الصبا عند مقطع «يا حبيبًا زرت يومًا أيكه» ثم تنتقل من الصبا فتجاور «النوا أثر» ثم إلى «النهاوند» وهنا تتغير الطبقة وتظهر ذروة الجزء الأول من القصيدة فتغني أم كلثوم «أعطني حريتي أطلق يدى» بطريقة عجيبة حيث تظهر القدرات الإعجازية في صوت أم كلثوم وتضيف الزخرفة الصوتية في لفظ «آه من قيدك» للنص الموسيقي قدرة على تصوير معني القصيدة، ثم يعرج اللحن على عدة مقامات فيلامس «السوزناك» ويستنطق «الراست» ويصور درجات مقام «الكرد» في مقطع «أين مني مجلس أنت به» وهنا تظهر عبقرية رياض السنباطي في التمهيد لعاصفة موسيقية كبرى حيث تتجسد الذروة الثانية في تأدية أم كلثوم للقصيدة في مقطع «هل رأى الحب سكارى مثلنا» فيعود اللحن إلى مقام راحة الأرواح و هو أساس القصيدة وتفتح أم كلثوم أبواب صوتها وتبرز قوة عضلاته وقدراته الخيالية فتغني ثلاثة مقامات دفعة واحدة وهم: الحجاز والبياتي وراحة الأرواح، ثم يحلو لها الأعادة فتغير طبيعة بعض جمل اللحن وتثير أذن المستمع باستطرادات لحنية ذات نبرات غير متوقعة تعطي إحياء بحركة غير منتظمة كالتي يوصف بها من كان تحت أثر الخمر، ويسيطر الهدوء على اللحن مرة أخرى وينفرد «أحمد الحفناوي» بتقسيمة كمان ترددها الفرقة من بعده لتدخل أم كلثوم بصوت عال يشبه الإنذار «وانتبهنا بعدما زال الرحيق» وهنا قصد رياض السنباطي إلى استخدام الوتريات فقدم من خلالها لازمات موسيقية مرتعشة غرضها تصعيد حالة الشجن المسيطرة على المقطع ككل، وتختم أم كلثوم الغناء مرتكزة على راحة الأرواح مرة أخرى، ليدخل لحن راقص في نفس المقام وتستلم أم كلثوم الغناء معلنة نهاية القصيدة «يا حبيبي كل شيء بقضاء» فيتأرجح اللحن بين راحة الأرواح والراست حتى يعود اللحن إلى راحة الأرواح  لتنتهي القصيدة بقفلة «فإن الحظ شاء» والمستمع الجيد لغناء أم كلثوم يدرك أنها كانت دائمًا تفضل القفلة الغنائية ذات الدرجات المنخفضة. فهي تحلق طوال الأغنية وترهق أذن المستمع معها صعودًا وهبوطًا حتى إذا شعرت بدنو القفلة عمدت إلى التخفيض من درجات صوتها حتى تترك المستمع في حالة هدوء وطرب، وللقفلة أهمية كبرى في خط سير أي غناء طربي لأن الأصوات التي تؤديها تحتاج إلى خبرة وتجربة وممارسة طويلة، وإذا عجز الصوت عن أدائها ضاع مجهوده طوال الأغنية وترك الناس في حالة فتور طربي وانعدام للسلطنة، فالقفلة الغنائية هي المشهد الأخير للأغنية الذي لابد أن يحكم إخراجه بدقة شديدة، وهذا ما فعله رياض في صياغة قفلة الأطلال لكن تلك القفلة الرهيبة لم ترض أم كلثوم لأنها وجدت نفسها ستختم الغناء على قمة المقام وليس قراره، ودام الخلاف بينهما على تلك النهاية ما يقرب من ثلاث سنوات حتى اقتنعت أم كلثوم بعدها برأي السنباطي، فكانت خاتمة الأطلال من أقوى قفلات تاريخ الغناء العربي كله إن لم تكن الأقوى بدون منازع!

الأطلال في المزاج الكلثومي

على مدار ثلاث سنوات شدت أم كلثوم بقصيدة الأطلال بما يقرب من 21 مرة كان أولها ليلة 7 أبريل 1966 من مسرح سينما قصر النيل بالقاهرة، وآخرها من أمام أبو الهول بالهرم في ليلة 19 يونيو 1969، وخلال ثلاث سنوات رسخت أم كلثوم مكانة الأطلال في تراثها الغنائي بل جعلتها إحدى أركان المزاج الكلثومي مع نظائرها (سهران لوحدي – رباعيات الخيام – ياظالمني) وبالنظر في جدول حفلاتها من بعد نكسة يونيو نجد أنها لم تترك رحلة من رحلات المجهود الحربي إلا وشدت فيها بالأطلال، فكانت في كل مرة تلجأ إلى الزخرفة والحليات التاريخية التي تشمل استهلال النغمات من فوق ومن أسفل طبقات الصوت، بل كانت تلجأ إلى تفاريد بعيدة عن اللحن الأصلي فتفتح المجال الارتجالي لصوتها فتعيد مقاطع وتضيف ليها مادة لحنية جديدة وتستقر على نغمات غريبة وغير متوقعة، فكان أول أداء تاريخي للأطلال في عيد ثورة يوليو الأخير 23 يوليو 1966، فبعد أن أسدل الستار مرتين عن أم كلثوم ألح الجمهور عليها واستزاد فأعادت أم كلثوم مقطع «ياحبيبي كل شيء بقضاء» لكن ذلك لم يكفيه وأصرت الجماهير على الإعادة فأعادت الغناء مرة أخرى لكنها بدأت من مقطع «هل رأى الحب سكارى» أي أنها استعادت ثلاثة مقاطع دفعة واحدة، وهو ما فعلته أيضًا في حفلة طرابلس الغرب في مارس 1969 عندما أعادت 4 كوبليهات مرة واحدة فبعد أن كانت ستغني «وانتبهنا بعدما زال الرحيق» عادت لتغني «أعطني حريتي أطلق يدى»!

(حفلة الأطلال في 23 يوليو 1966)

وما تزال حفلات أم كلثوم للمجهود الحربي حالة خاصة في أرشيف حفلاتها، فقد فتحت تلك الحفلات آفاقًا مديدة من الطرب لصوتها، فاستثمرت كل إنتاجها خلال فترة الستينيات، وأعادت معظم ما غنته بصورة جديدة حتى أن بعض أغانيها صار ينسب للمكان الذي غنت فيه فيقال بعيد عنك (تونس) أو هو صحيح الهوى غلاب (المغرب)، إلا أن الأطلال ظلت هي العنصر المشترك بين جميع تلك الحفلات، فصار للأطلال صور مختلفة ووجوه عديدة بعد أدائها في البلاد العربية، فبعد أن أدتها بصورتين علي مسرح الأولمبيا بباريس ليلتي 13 و 15 نوفمبر 1967، عادت لتقدمها مرتين أيضًا في مطلع مارس 1968 على مسرح «محمد الخامس» بالمملكة المغربية، فجاءت أطلالها سلسلة متواصلة من التفاريد الفريدة وقد استهلت أم كلثوم ارتجالها بموجات متقطعة من الآهات تحاكي اللازمة الموسيقية التي تسبق مقطع «أين مني عيني حبيبًا» ثم مضت في طريقها حتى قدمت تفريدًا عجيبًا لمقطع «أين مني مجلسٌ أنت به» فكررت كلماته أكثر من أربع مرات في كل مرة بطريقة مختلفة و غير مألوفة قبل ذلك حتى في عالم ارتجالاتها.

(تفاريد أين مني مجلسٌ أنت به)

 

وقبل أن تختم ارتجلت في مقطع «أيها الساهر تغفو» فكان ذلك الارتجال سابقة لم تحدث قبل ذلك، وهو الذي شجعها أن ترتجل في نفس المقطع في تسجيل حفلة الكويت مطلع مايو 1968 إلا أن التفريد في تلك الحفلة جاء بصورة غير متوقعة فقد أعادت المقطع وأجادت وجالت بين القرارات والجوابات في سلاسة وبساطة وكأنها لم تكن على أبواب السبعين من عمرها!

(تفاريد أيها الساهر تغفو)

 

في حفلتها الشهيرة في تونس في أواخر مايو 1968 وقبل أن تختم وصلتها الأولى غردت أم كلثوم بآهات متقطعة كررتها مرات قبل أن تستلم الغناء عند مقطع «يا حبيبي كل شيء بقضاء» وفي بعلبك بلبنان ارتجلت عند مقطع «هل رأى الحب سكارى» وهو لم يحدث بعد ذلك أبدًا.

(تفاريد هل رأى الحب سكارى)

 

ولكي نرى أهمية ما صنعته الأطلال في مسيرة أم كلثوم يجب علينا أن تكون نظرتنا طويلة المدى لما قدمه السنباطي لها بعد عام 1966 فالواقع يقول أن السنباطي حاول مرارًا أن يدور حول ما صنعه في الأطلال، وأن يعيد تلك التوليفة في قصيدة أخرى، ورغم أهمية ما قدمه في قصيدة  «أقبل الليل» عام 1969 و قصيدة «من أجل عنيك» عام 1972 إلا ان الأطلال ظلت هي التغريدة الكبرى في مرحلة أم كلثوم الأخيرة بل أنها صارت التغريدة الأكمل في تاريخ الغناء العربي إلى الآن!

***

[1] سبق و لحن محمد فوزي قصيدة الوداع للمطربة نجاة عليّ عام 1954

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد