أواخر القرن 21، العام الحالي 2018، أو اليوم الحالي كلها أرقام في نظري، فلا فرق بينهم سوى أن الأعوام والسنين تجري بنا كسفينة تقودها الرياح بسرعة البرق إلى حيث لا ندري، إلى عالم مجهول وغير مرئي نتيجة فقْدِنا السيطرة على العالم وعلى كل ما يحتويه، قد انقلبت الآية كما يقولون أصبح هو يتحكم فينا من الوقت، للمال، حتى طريقة عيشنا بأدق التفاصيل التي فيها؛ مما جعلنا مشتتين الذهن فنحن في حالة ذهول وجمود لم يعرفها التاريخ قط، أظنه مرضًا خطيرًا من أمراض العصري الحالي يصيبنا ولا ندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.

ويبقى السؤال هنا ماهو هذا المرض؟ وما هي السبل لعلاجه والنجاة منه قبل أن تجرفنا المياه أكثر وأكثر؟

كلنا نعرف أن الإنسان مميز على الحيوان بالعقل والمعرفة والإدراك، فهو نتيجة إلى ما وصلنا إليه الآن من تكنولوجيا وتطور وحداثة، وندرك أن في ظل هذه التغيرات أن الإنسان بدأ يفقد الشيء المميز فيه العقل، هو موجود وسيظل موجودًا؛ فهو في جسده، ولكن فقد معناه الحقيقي بمعنى عدم استخدامه كما يجب، فلقد أصبح في حالة جمود وركود وذلك هو الفقدان، وهذا أخطر مرض في وقتنا الآن، ولكن أنا سأسميه بالفخ الذي وقع فيه الإنسان في ظل التغييرات الجذرية التي حصلت في العالم.

دعنا الآن من التحدث عن أسبابه لأن الأسباب واضحة لكل شخص، ويبقى العلاج الذي ليس لدى كل الإنسان، إلا القليل منهم فقط.

كتبت المتحدثة العبقرية ميل روبينز في سنوات الأخيرة كتابًا بعنوان (قاعدة الخمس ثوان)، والذي لاقى نجاحًا كبيرًا في العالم واستطاعته في تغيير حياة عديد من الناس. أنا لن أتحدث عن الكتاب، ولكن سأقوم بتحليل هذه القاعدة بحيث تصبح سهلة الفهم والاستعمال.

قلنا بالسابق أن الإنسان أصبح مصاب بالتشتت الذهن والتفكير الكثير حتى في الأشياء البسيطة بحيث أن العقل دائمًا في حالة هيجان كبيرة مما جعل الإنسان لا يشعر بالاستقرار النفسي الطبيعي، دائمًا هناك ما يقلقه ويشغل تفكيره في حين أنه ليس هناك سبب مقنع لهذا التوتر والتفكير الزائد والتردد؛ مما يزيد من الضغط النفسي على الإنسان فلقد أصبح كالقنبلة الموقوتة قابلة للانفجار في أي ثانية، فلم يعد باستطاعته التحمل أكثر وهو معذور في ظل هذه الحياة الصعبة. ولكن بفضل العلماء والباحثين في كل الميادين، هناك دائمًا حل لكل المشاكل، والحل لهذه المشكلة بسيط جدا بحيث يجعل عديد من الناس في حالة استغراب واندهاش منه، ولكن حين تدرك معناه الحقيقي فستعلم كم هو مهم في حياتنا هذه وقادر على تغييرك إلى الأفضل ولا تحتاج للمال لفعل ذلك فقط الإرادة والعزيمة.

تقول ميل روبينز في كتابها عن قاعدة الخمس ثوان: إنَّ قاعدة الخمس ثواني ببساطة هي أن تعد عكسيًا من خمس إلى واحد عند شعورك بالقلق أو الاضطراب أو الحيرة تجاه أمر ما، ومن ثم تتخذ قرارك الذي تميل إليه فورًا، تسمح لك قاعدة الخمس ثوان بتحفيز عقلك والحد من الاضطراب والتردد على اتخاذ قرار ما. من المؤكد أن كلامها صحيحًا، ولكن لدي تفسيرًا آخر وأدق من هذا كتكملة لكلامها.

إن العمل ينقسم إلى قسمين: هناك عمل محبب لدى الإنسان ويختلف حسب ميولا ته الشخصية، وهناك عمل مكره لا ترغب في القيام به، ولكنه عادة يكون ضروريًا ومهمًا في حياتك. عندما تقوم بالعمل المحبب إليك فطبعًا ستكون في حالة ابتهاج واسترخاء وإتقانه على أكمل وجه، كما أنه لا يخطر في ذهنك أي تساؤلات أو صراع نفسي داخلى وإقناع الذات بالقيام به فأنت تحب هذا العمل، ولكن يكون العكس عند القيام بعمل غير محبب لديك ( وعادة ما يكون هذا العمل أهم من العمل المحبب كما قلنا في سابق)، فعندما يحين الوقت القيام به هناك تغييرات ستحصل منها : السرعة في دقات القلب (خاصة عند الخوف)، ارتفاع الهرمونات، كثرة التفكير، صراع داخلي عنيف بحيث تحاول إقناع نفسك بكل الطرق بعدم القيام به أو تأجيله إلى وقت لاحق ومما يؤدي إلى خضوع العقل لشهوات النفس والتحكم فيه، فتصبح تقوم بالأعمال المحببة لديك والغير المحبب تتركها، فتصبح تدريجيًا إنسان فاشل في الحياة، فقط تحلم ولا تحقق فقد قتلت الإرادة والعزيمة فيك، كما أصبحت مثل الآلة، عقلك تخدر أصبح لا وجود له في حياتك، كل يوم تستيقظ في صباح وتقوم بنفس الأعمال يوميًا دون إدراك أو وعي وكأنك في حالة برمجة وهذا نتيجة لغياب الوظيفي للعقل؛ مما أدى إلى الشعور باللامبالاة في كل شيء، لا وجود للطموح، هدف، إرادة، مواجهة… فقط في مكان واحد كل شيء يتغير، إلاّ أنت، وهذا كله لأنك سمحت لشهوات النفس بالسيطرة عليك، تفعل ما تمليه نفسك وليس عقلك مما جعلك في حالة ذهول وتشتت كما تحدثت في السابق، وبهذا تحطم نفسك بنفسك وهو أخطر سلاح للقضاء عليك.

الحل أو العلاج ندركه هو مقاومة النفس وتقوية الإرادة والعزيمة لدينا، ولكن هناك أناس يصعب عليهم القيام بهذا بالنسبة لهم لذلك جاءت قاعدة الخمس الثوان لتسهل الأمر عليهم ولو قليلًا وهي تكمن في الأصل في عدم التفكير هل نقوم بهذا العمل أو لا فقط القيام به دون اللجوء لتحليل والدخول في متاهة التفكير وفي الوعي واللاوعي، وإلى غير ذلك فعندما تعد عدًا عكسيا من خمسة إلى الواحد، ثم تقول كلمة بمعنى انطلق وتنطلق بالفعل فأنت هنا ربحت راحة نفسية وشحن الروح بالطاقة الإيجابية من خلال عدم التفكير والتوتر والدخول في هيستيريا عند بعض من الناس فهذا العد يحضرك نفسيًا للقيام بالأعمال الصعبة وغير المحببة وعدم تأجيلها والقدرة على التحكم في النفس؛ مما يجعلك تتقدم نحو الأمام بكل الثقة والتحكم في الوقت والسيطرة على مخاوفك ومشاعرك السلبية وليس العكس. هي طريقة سهلة وبسيطة يكفي فقط أن تتعود عليها دائما ولا تتراخى، حينها ستصبح تقوم بالأعمال غير محببة دون اللجوء إلى العد فلقد عودت عقلك على القيام بها والسيطرة على المشاعر والأحاسيس وتحتاج أيضًا إلى الإرادة والعزيمة لتصبح إنسانًا ناجحًا في حياتك وتستطيع التحكم في أدق تفاصيل حياتك.

غريب هذا الاكتشاف فحل بسيط قادر على تغيير مجرى حياتك إلى الأحسن وجعلك تستطعم معنى الحياة من جديد، إذا فلنستخدم هذه القاعدة منذ الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب ميل روبينز " قاعدة الخمس ثواني "
عرض التعليقات
تحميل المزيد